هذا المقال من رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن توجه أكادير 24.

عندما تغيب الموضوعية… تنتشر التفاهة، وحين تموت المصداقية يتفشّى البؤس الأخلاقي

كُتّاب وآراء

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار، وتتشابك فيه المنصات، لم تعد الحقيقة هي العنصر الأكثر تداولًا، بل باتت الضوضاء هي السائدة، ووجدت التفاهة بيئة خصبة للنمو والانتشار. فحين تغيب الموضوعية عن الخطاب الإعلامي والثقافي، لا يعلو صوت العقل، بل يطفو السطح، ويتصدر المشهد من لا يمتلكون عمقًا فكريًا ولا مسؤولية أخلاقية.
الموضوعية ليست ترفًا مهنيًا، بل هي الركيزة الأساسية لأي خطاب ناضج. وعندما تُستبدل بالتحيز، أو بالمصالح الضيقة، أو بالرغبة في جذب الانتباه، يتحول الإعلام من أداة وعي إلى وسيلة تشويش، ومن منصة تنوير إلى مسرح للابتذال. هنا، لا يتم تقييم الأفكار بقيمتها، بل بعدد الإعجابات والمشاهدات، ولا يُقاس التأثير بعمقه، بل بقدرته على إثارة الجدل الفارغ.
أما غياب المصداقية، فهو الخطر الأكبر، لأنه لا يُنتج فقط محتوى ضعيفًا، بل يخلق حالة عامة من البؤس الأخلاقي. فحين يكذب الخطاب، أو يُزوّر الواقع، أو يُقدّم أنصاف الحقائق، يفقد المجتمع بوصلته القيمية. يصبح التضليل أمرًا عاديًا، وتتحول الميوعة الفكرية إلى سلوك مقبول، بل ومكافأ عليه.
وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة “صناعة التفاهة” بوصفها نتيجة طبيعية لانهيار المعايير. يُقدَّم التافهون كنجوم، ويُمنح السطحيون مساحات أوسع من أصحاب الفكر والمعرفة، وتُختزل القضايا الكبرى في عناوين مثيرة خاوية من المضمون. الأخطر من ذلك أن هذا النمط لا يفرض نفسه بالقوة، بل يجد قبولًا لدى جمهور أُنهك بالتكرار، وفُصل عن أدوات النقد والتحليل.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن أزمة القيم التي يعيشها الخطاب العام. فالميوعة الأخلاقية لا تعني فقط غياب الصرامة، بل تعني تمييع الحق والباطل، وتسوية الجاد بالهزلي، والعميق بالسطحي. وعندما تضيع هذه الحدود، يصبح من الصعب محاسبة الخطأ أو الدفاع عن الحقيقة.
غير أن المسؤولية لا تقع على الإعلام وحده، بل تمتد إلى النخب الثقافية، والمؤسسات التربوية، وحتى الجمهور نفسه. فالمتلقي الذي لا يسأل، ولا يشكك، ولا يطالب بالمصداقية، يساهم—ولو دون قصد—في ترسيخ هذا الواقع. كما أن غياب التربية الإعلامية والنقدية يجعل المجتمع أكثر قابلية للاستهلاك السلبي وأقل قدرة على التمييز.
إن استعادة الموضوعية والمصداقية ليست مهمة سهلة، لكنها ضرورة وجودية. تبدأ بإعلاء قيمة الحقيقة، واحترام عقل المتلقي، وربط الحرية بالمسؤولية، لا بالفوضى. فالمجتمعات لا تنهار فجأة، بل تبدأ بالتهاوي حين تفقد معاييرها، ويُكافأ التفاهة، ويُهمَّش العقل.
في النهاية، ليست المعركة بين رأيين مختلفين، بل بين العمق والسطحية، بين الصدق والتزييف. وحين نختار أن نصمت أمام غياب الموضوعية والمصداقية، فإننا نمنح التفاهة فرصة إضافية لتقود المشهد، وتترك وراءها فراغًا فكريًا وبؤسًا أخلاقيًا يصعب ترميمه.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً