بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في زحمة الحياة وتسارع إيقاعها، يمضي الإنسان غالبًا وهو منشغل بالإنجازات اليومية، والالتزامات المتراكمة، والتحديات المتجددة، حتى يجد نفسه بعد عام كامل يقف أمام سؤال بسيط لكنه عميق: هل تغيرت؟ وهل أصبحت أفضل مما كنت؟
من هنا تنبع أهمية مراجعة الذات السنوية، لا باعتبارها لحظة جلدٍ للنفس، بل فرصة واعية لإعادة التوازن وإعادة توجيه البوصلة الداخلية.
- المراجعة الذاتية… ضرورة إنسانية لا رفاهية فكرية
الإنسان كائن يتطور باستمرار، لكن التطور لا يحدث تلقائيًا دائمًا. فبدون وقفة تأمل ومحاسبة، قد يتحول التكرار إلى عادة، والعادة إلى جمود. مراجعة النفس تمنح الفرد فرصة تقييم قراراته، واكتشاف أخطائه، والاعتراف بنقاط القوة التي يمكن البناء عليها.
إنها أشبه بإعادة ضبط المسار؛ فالسفينة التي لا تراجع اتجاهها قد تبتعد تدريجيًا عن وجهتها دون أن يشعر ركابها بذلك.
- لماذا كل عام تحديدًا؟
الدورات الزمنية الطويلة تسمح برؤية أوضح. فالأيام قصيرة للحكم، والأسابيع متقلبة، أما العام الكامل فيحمل تجارب كافية تكشف أنماط السلوك والاختيارات.
المراجعة السنوية تساعد الإنسان على الإجابة عن أسئلة أساسية:
- ماذا تعلمت هذا العام؟
- ما الذي فقدته بسبب قرارات خاطئة؟
- ما الذي كسبته بسبب الصبر أو الاجتهاد؟
- وهل اقتربت من القيم التي أؤمن بها؟
- رمضان… موسم المراجعة الكبرى
يأتي شهر رمضان كل عام كفرصة استثنائية للتوقف الواعي. فالصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام، بل يفتح مساحة داخلية للتأمل وإعادة ترتيب الأولويات.
في هذا الشهر، يخف ضجيج الحياة قليلًا، ويقترب الإنسان من ذاته، فيكتشف أن المراجعة ليست محاكمة قاسية، بل مصالحة صادقة.
- بين الندم والتغيير
الفرق بين المراجعة الصحية والجلد النفسي يكمن في الهدف. فالمراجعة الحقيقية لا تُبقي الإنسان أسير الماضي، بل تساعده على تحويل الأخطاء إلى دروس. الندم وحده يثقل القلب، أما الفهم فيحرّر الإنسان ويمنحه القدرة على البدء من جديد.
- أثر المراجعة على المجتمع
حين يراجع الأفراد أنفسهم، تتحسن العلاقات، ويقلّ اللوم المتبادل، ويزداد الوعي بالمسؤولية. فالمجتمعات لا تتغير بالشعارات الكبرى فقط، بل بأفراد يملكون شجاعة الاعتراف والتصحيح.
- خاتمة
إن مراجعة النفس كل عام ليست وقفة ضعف، بل علامة نضج. فهي لحظة صادقة يسأل فيها الإنسان نفسه: هل أعيش الحياة التي أريدها حقًا؟
وربما تكون أعظم هدية يمنحها الإنسان لنفسه في كل رمضان، أن يخرج منه ليس فقط أخفّ ذنبًا، بل أوضح رؤية، وأكثر سلامًا مع ذاته، وأكثر استعدادًا لعام جديد يبدأ بقلبٍ جديد.


التعاليق (0)