بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
يبدو أن شجرة الأركان، ذلك الكائن النباتي المغربي الصبور الذي قاوم الجفاف والرياح والتهميش لآلاف السنين ، قرّرت أخيرًا أن تهاجر… لا بفعل التغير المناخي، بل بفضل البلاغات الرسمية!
فقد أعلنت وزارة الفلاحة الجزائرية تخصيص 100 ألف شجرة أركان للغرس ضمن حملة وطنية كبرى للتشجير، وُصفت بأنها دعم للتنوع البيولوجي وتثمين لصنف نباتي ذي قيمة بيئية واقتصادية عالية. إعلان أنيق في الصياغة، مثير في أرقامه، لكنه علميًا لا يخرج عن كونه تمرينًا في الخيال السياسي أكثر منه مشروعًا زراعيًا قابلًا للحياة.
وللتذكير فقط، حتى لا يضيع القارئ بين الحماس البلاغي والواقع الطبيعي: شجرة الأركان شجرة متوطّنة حصريًا في المغرب، وفق ما يؤكده علماء النبات والمنظمات الدولية، وعلى رأسها اليونسكو التي صنّفت مجال الأركان تراثًا بيولوجيًا عالميًا. يمتد موطنها الطبيعي في الوسط الغربي للمملكة المغربية، من آسفي شمالًا إلى طانطان جنوبًا، عبر شريط ساحلي شبه جاف، ويتوغّل شرقًا إلى تارودانت. خارج هذا المجال، لا تنمو الأركان نموًا طبيعيًا، ولا تستقر بيئيًا، ولا تُثمر اقتصاديًا كما ينبغي.
لكن يبدو أن الجغرافيا، مثل التاريخ، قابلة لإعادة التحرير حين تصبح البيانات الصحفية أهم من الخرائط.
وليست الأركان سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من “التبنّي المتأخر”. بعد القفطان الذي استيقظ ذات صباح ليجد نفسه “جزائريًا”، والزليج الذي تغيّرت هويته بين بلاطة وأخرى، والفلكلور الذي يسافر بلا جواز ولا ذاكرة، جاء دور الأركان لتُستكمل الصورة: ما هو مغربي اليوم قد يُقدَّم غدًا كمنتوج “محلي خالص” بفضل حملة تشجير رسمية وبلاغ إداري.
والمفارقة أن الأركان ليست مجرد شتلة تُغرس، بل نظام بيئي متكامل: تربة خاصة، ومناخ محدد، وتوازن دقيق بين الجفاف والرطوبة، وتاريخ طويل من التكيّف لا يُختصر في حفرة ولا في حفل تصوير. دول عديدة حاولت استنساخها ضمن تجارب علمية دقيقة، ونجحت جزئيًا في البحث العلمي، لا في خلق مجال أركان حقيقي خارج موطنه الأصلي.
أما هنا، فالمسألة لا تُطرح بوصفها تجربة علمية، بل كحقيقة مُعلَنة سلفًا، وكأن الطبيعة مطالَبة بالامتثال للبلاغات الوزارية.
في النهاية، قد تُغرس آلاف الشتلات، وقد تُنظَّم حملات، وتُلتقط صور، وتُكتب تقارير. لكن الأركان ستظل حيث كانت دائمًا: في تربتها، في مناخها، وفي تاريخها.
فبعض الأشجار لا تُهاجر، وبعض الجذور لا تُقلَّد، وبعض الحقائق مهما أُعيد تسويقها تبقى ثابتة، صامتة، وعنيدة… تمامًا مثل شجرة الأركان نفسها.
وقريبًا… منتجات الأركان جزائرية في الأسواق العالمية وبثمن مناسب.
لكن في الأحلام طبعا!!!!


التعاليق (0)