بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
- كلما ضاقت الجبهة الداخلية… اتسع الهجوم الخارجي: المغرب في خطاب بريتوريا والجزائر
في لحظة سياسية حساسة داخلياً وخارجياً، عاد رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوسا إلى استدعاء خطاب تقليدي طالما طبع الدبلوماسية الجنوب أفريقية تجاه قضية الصحراء المغربية ، رابطاً حرية بلاده بما اعتبره استمرار “الاحتلال” في عدد من مناطق العالم، من بينها الصحراء “الغربية”. تصريح أعاد إلى الواجهة سردية قديمة تعود إلى حقبة الحرب الباردة، أكثر مما يعكس تحولات الواقع الجيوسياسي الحالي في القارة الإفريقية.
- خطاب يتجاوز الرمزية إلى الرسائل السياسية
من الناحية الظاهرية، يبدو خطاب رامافوسا امتداداً للمرجعية التاريخية لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، الذي بنى جزءاً من هويته السياسية على دعم “حركات التحرر” عبر العالم. غير أن إعادة وضع قضية الصحراء المغربية في نفس السلة مع ملفات دولية معقدة يطرح تساؤلات حول الدوافع الفعلية لهذا الطرح اليوم.
فالتحليل السياسي يشير إلى أن الخطاب لم يكن موجهاً فقط للخارج، بل يحمل أيضاً أبعاداً داخلية في جنوب أفريقيا، حيث تواجه الحكومة تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، من أزمة الطاقة إلى البطالة وارتفاع معدلات الجريمة. وفي مثل هذه السياقات، تلجأ بعض الأنظمة إلى توظيف السياسة الخارجية كمساحة رمزية لإعادة تعبئة الرأي العام.
- الصحراء بين المقاربة الواقعية والخطاب الأيديولوجي
في المقابل، تعتمد المغرب منذ سنوات مقاربة مختلفة، تقوم على الدفع بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلاً سياسياً واقعياً يحظى بدعم متزايد داخل المنتظم الدولي. وقد ترافق ذلك مع استثمارات كبيرة في الأقاليم الجنوبية، شملت البنية التحتية والموانئ والطاقة المتجددة، و الطرق و المواني وهو ما تستند إليه الرباط لتعزيز سرديتها القائمة على التنمية والاستقرار.
هذا التباين يعكس صراع رؤيتين: الأولى تستند إلى مفاهيم التحرر الكلاسيكية، والثانية إلى منطق التسويات السياسية والتنمية الاقتصادية كمدخل للحل.
- من الدبلوماسية إلى شماعة الأزمات
في هذا السياق، يلاحظ متابعون للشأن الإفريقي تحوّلاً لافتاً في الخطاب السياسي داخل جنوب أفريقيا، إذ لم يعد موقف بريتوريا من قضية الصحراء المغربية يقتصر على الدعم الدبلوماسي التقليدي، بل بدأ يظهر كجزء من تفسير أوسع لمشاكلها الداخلية وتعثراتها السياسية والاقتصادية. فكلما تصاعدت الأزمات المرتبطة بالطاقة أو البطالة أو الاحتقان الاجتماعي، يعود الخطاب الرسمي لربط قضايا بعيدة جغرافياً وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية بسردية “النضال غير المكتمل”، وكأن التحديات الداخلية تجد امتدادها خارج الحدود.
هذا التحول يذكّر بالمقاربة التي تعتمدها الجزائر منذ سنوات، حيث يُستحضر النزاع الإقليمي بشكل متكرر داخل الخطاب السياسي والإعلامي كعنصر تعبئة وتفسير للأزمات الداخلية. ومع تقارب المواقف بين البلدين داخل المحافل القارية والدولية، يبدو أن بريتوريا بدأت تتبنى تدريجياً المنطق ذاته: تحويل الصراع الخارجي إلى أداة خطابية تمنح الشرعية السياسية داخلياً وتعيد توجيه النقاش بعيداً عن التحديات اليومية للمواطن.
وبذلك، لم يعد المغرب بالنسبة لبعض الخطابات السياسية مجرد طرف في نزاع إقليمي، بل تحوّل إلى عنصر ثابت في سردية سياسية أوسع، تُستخدم كلما اشتدت الضغوط الداخلية، وهو ما يعكس انتقال الصراع من نطاقه الدبلوماسي التقليدي إلى مجال الرمزية السياسية وصناعة الرأي العام.
- البعد الإقليمي وتحولات التوازنات الإفريقية
لا يمكن قراءة الموقف الجنوب أفريقي بمعزل عن شبكة التحالفات داخل القارة، خصوصاً العلاقة الاستراتيجية مع الجزائر، التي تبقى الداعم الرئيسي لجبهة جبهة البوليساريو. فكلما شهد الملف زخماً دبلوماسياً لصالح المقترحات السياسية المطروحة داخل الأمم المتحدة، يتحرك هذا المحور لإعادة إحياء النقاش على المستوى الدولي.
ويرى بعض المراقبين أن هذا التحرك يعكس قلقاً من تحولات ميزان القوى الإفريقي، خاصة مع تزايد الدول التي تتبنى مقاربة براغماتية للحل داخل مؤسسات مثل الاتحاد الإفريقي، حيث لم تعد الاصطفافات الأيديولوجية القديمة تحظى بالإجماع نفسه الذي عرفته في تسعينيات القرن الماضي.
- بين الماضي والمستقبل
اللافت في خطاب رامافوسا أنه يعيد إنتاج لغة سياسية تنتمي إلى زمن كانت فيه الصراعات تُقرأ بمنطق ثنائي بسيط: تحرر مقابل احتلال. أما اليوم، فقد أصبحت النزاعات الإقليمية أكثر تعقيداً، تحكمها اعتبارات الأمن والتنمية والتوازنات الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يبدو أن الصراع لم يعد فقط حول الأرض أو الشرعية التاريخية، بل حول أي نموذج سياسي سينجح في إقناع إفريقيا والعالم: نموذج الشعارات الثورية العابرة للحدود، أم نموذج البراغماتية والتنمية وبناء التحالفات الاقتصادية.
وبين هذين المسارين، يظل السؤال مفتوحاً: هل ما زالت لغة الأمس قادرة على التأثير في قارة تتجه بسرعة نحو حسابات المصالح والاستقرار؟ أم أن الخطابات القديمة أصبحت، في نظر الكثيرين، مجرد صدى لمعارك سياسية فقدت زخمها مع تغير الزمن؟

