محطات الوقود في قفص الاتهام: هل يجوز تعليق الخدمة انتظارًا لزيادة الأسعار؟

الاقتصاد والمال

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

شهدت بعض محطات الوقود مساء أمس حالة من الارتباك والفوضى بعدما امتنعت محطات عديدة عن تزويد الزبناء بالوقود قبيل منتصف الليل، في انتظار دخول التسعيرة الجديدة حيز التنفيذ. هذا السلوك أثار استياءً واسعاً في صفوف المواطنين، خاصة المسافرين وأصحاب المركبات الذين وجدوا أنفسهم عالقين لساعات طويلة أمام محطات مغلقة أو شبه مهجورة.
وفق شهادات متطابقة لعدد من المواطنين، فقد أغلقت بعض المحطات أبوابها بشكل غير معلن، بينما اكتفى بعضها الآخر بوجود حارس ليلي دون أي عامل لتزويد السيارات بالوقود. وفي حالات أخرى تم إطفاء الأنوار داخل المحطات بشكل كامل، ما أعطى الانطباع بأنها خارج الخدمة إلى حين حلول منتصف الليل. هذا المشهد خلق حالة من الفوضى والازدحام، خصوصاً على الطرق الرئيسية ومحاور السفر.
من الناحية الاقتصادية، يفسر بعض المهنيين هذا السلوك برغبة بعض المحطات في تفادي بيع مخزون الوقود بالسعر القديم قبل الزيادة المرتقبة، حتى لا تتحمل خسارة فارق السعر. غير أن هذا التبرير، وإن كان مفهوماً من زاوية الربح التجاري، يطرح إشكالاً أخلاقياً وقانونياً يتعلق بواجب استمرارية الخدمة واحترام حقوق المستهلك.
فالوقود ليس سلعة عادية في السياق اليومي، بل هو مادة حيوية ترتبط بحركية النقل والتنقل والعمل. وأي اضطراب في توزيعه يمكن أن يؤدي إلى تعطيل مصالح الناس، خاصة في فترات السفر أو الحالات الطارئة. لذلك فإن امتناع بعض المحطات عن تقديم الخدمة بدافع انتظار زيادة الأسعار يطرح سؤالاً حقيقياً حول حدود الحرية التجارية عندما تتعارض مع المصلحة العامة.
كما يثير هذا السلوك تساؤلات حول دور أجهزة المراقبة والهيئات المكلفة بحماية المستهلك. فغياب المعلومة المسبقة وعدم وجود توضيح رسمي حول أسباب الإغلاق المؤقت لبعض المحطات يزيد من حالة الاحتقان ويغذي شعور المواطنين بعدم الإنصاف.
من جهة أخرى، يرى متتبعون أن هذه الحوادث تكشف خللاً أعمق في تنظيم قطاع المحروقات، حيث تبقى آليات ضبط السوق ضعيفة في مواجهة تقلبات الأسعار وهوامش الربح. وفي ظل غياب تسعيرة موحدة أو مراقبة صارمة، يجد المواطن نفسه الحلقة الأضعف في معادلة يتحكم فيها منطق السوق.
إن ما حدث مساء أمس يعيد طرح الحاجة إلى قواعد واضحة تضمن استمرارية الخدمة في محطات الوقود، خصوصاً خلال فترات تغيير الأسعار. كما يفرض التفكير في آليات رقابية أكثر صرامة تحمي المستهلك وتمنع الممارسات التي قد تُفسَّر على أنها استغلال للظروف.
في النهاية، تبقى المواطنة الاقتصادية مبدأً أساسياً في أي نشاط تجاري، خاصة عندما يتعلق الأمر بقطاع حيوي يمس الحياة اليومية للمواطنين. فالربح حق مشروع، لكن تحقيقه يجب أن يتم في إطار احترام المسؤولية الاجتماعية والالتزام بخدمة المجتمع، لا على حساب تعطيل مصالح الناس وإرباك حياتهم.