بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
مع حلول شهر رمضان من كل عام، تتجدد في الوعي الجماعي فكرة التغيير. تتعالى الدعوات إلى الإصلاح، وتكثر النصائح الموجهة للناس حول السلوك والأخلاق والقيم. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بهدوء: هل يبدأ الإصلاح من المجتمع أم من الإنسان نفسه؟ يبدو أن فلسفة الصيام، في جوهرها العميق، تقدم جوابًا واضحًا؛ فقبل أن نُصلح العالم من حولنا، علينا أن نعيد ترتيب عالمنا الداخلي.
الصيام كرحلة داخلية
يُختزل الصيام أحيانًا في الامتناع عن الطعام والشراب، بينما حقيقته أوسع بكثير. إنه تدريب يومي على ضبط النفس، وعلى تأجيل الرغبات، وعلى التحكم في ردود الفعل. الإنسان الصائم لا يواجه الجوع فقط، بل يواجه ذاته: غضبه، اندفاعه، عاداته، وطريقة تعامله مع الآخرين.
وهنا يتحول رمضان إلى مساحة مراجعة شخصية نادرة في زمن السرعة. فبين ضجيج الحياة اليومية، قلّما يجد الإنسان فرصة للتوقف والتأمل في سلوكه وأفكاره. الصيام يفرض هذا التوقف، ويجعل الإنسان أكثر وعيًا بتصرفاته، وكأنه ينظر إلى نفسه من الخارج.
أزمة الإصلاح الخارجي
في المجتمعات الحديثة، يميل كثيرون إلى انتقاد الآخرين: الأسرة، الشباب، الإعلام، السياسة، أو المجتمع ككل. الجميع يطالب بالإصلاح، لكن القليل يبدأ بنفسه. هذه المفارقة تكشف أزمة حقيقية؛ إذ لا يمكن لمجتمع أن يتغير إذا بقي أفراده ينتظرون التغيير من الخارج.
رمضان يعكس المعادلة: الإصلاح الحقيقي يبدأ فرديًا ثم يتحول تدريجيًا إلى سلوك جماعي. عندما يصبح الصدق عادة شخصية، والرحمة موقفًا يوميًا، والتسامح اختيارًا واعيًا، فإن المجتمع يتغير تلقائيًا دون شعارات كبيرة.
تهذيب السلوك قبل الوعظ
من أهم دروس رمضان أن القدوة أقوى من الخطاب. فالصائم الذي يتحلى بالصبر في العمل، والهدوء في النقاش، والتسامح في الخلاف، يقدم رسالة عملية أكثر تأثيرًا من آلاف النصائح. الإصلاح هنا لا يتم عبر توجيه الاتهام للآخرين، بل عبر تقديم نموذج مختلف في التعامل.
ولهذا، فإن الامتحان الحقيقي للصيام لا يظهر في العبادات الفردية فقط، بل في العلاقات اليومية: في البيت، في الشارع، في العمل، وحتى في النقاشات البسيطة. فهل أصبح الإنسان أكثر لطفًا؟ أكثر إنصاتًا؟ أقل اندفاعًا؟ هذه هي المؤشرات الحقيقية لنجاح التجربة الرمضانية.
بين الروحانية والسلوك اليومي
تكمن قيمة رمضان في قدرته على ربط العبادة بالحياة الواقعية. فالغرض ليس لحظة روحانية مؤقتة، بل بناء إنسان متوازن يستمر أثر الصيام في سلوكه بعد انتهاء الشهر. لذلك، فإن إصلاح النفس لا يعني الانعزال عن المجتمع، بل العودة إليه بنسخة أفضل من الذات.
وحين يصل الفرد إلى هذا الوعي، يتحول الإصلاح من مهمة ثقيلة إلى عملية طبيعية؛ لأن الإنسان الذي يصلح نفسه يخفف تلقائيًا من التوتر والصراع من حوله، ويساهم في نشر مناخ أكثر إنسانية دون أن يقصد.
خاتمة
رمضان ليس موسمًا للوعظ بقدر ما هو موسم للمراجعة. إنه دعوة هادئة للإنسان كي يبدأ من الداخل، لأن إصلاح العالم يبدأ بخطوة صغيرة نحو الذات. وربما يكون أعظم إنجاز يخرج به الصائم من هذا الشهر ليس عدد الأيام التي صامها، بل مقدار التغيير الذي أحدثه في نفسه قبل أن يطالب به الآخرين.
