دخلت الحرب على إيران مرحلة شديدة الحساسية، مع تداخل التصعيد العسكري المباشر مع أزمة الملاحة والطاقة، وتعثر جهود الوساطة، واتساع نطاق التهديدات إلى الخليج. وخلال الساعات الأخيرة، برزت مؤشرات توحي بأن اليومين المقبلين قد يكونان حاسمين في تحديد ما إذا كان الصراع سيتجه نحو احتواء تدريجي أو نحو جولة أشد كلفة وخطورة.
تعثر الوساطة وغياب مخرج قريب
أحدث ما برز سياسيًا هو تعثر محاولات إطلاق مسار لوقف النار. فقد أفادت رويترز بأن جهودًا قادتها عُمان ومصر اصطدمت برفض أمريكي للمضي في مسار هدنة الآن، بينما تتمسك إيران بأن أي حديث عن وقف النار يجب أن يسبقه وقف الضربات الأمريكية والإسرائيلية. هذا يعني أن نافذة التهدئة لا تزال ضيقة جدًا، وأن القرار العسكري ما زال متقدمًا على القرار الدبلوماسي.
هرمز يتحول إلى مركز الثقل في الحرب
المؤشر الأخطر الآن ليس فقط عدد الضربات الجوية، بل موقع المعركة نفسه. فمضيق هرمز أصبح مركز الثقل الحقيقي للصراع، بعدما أكدت رويترز أن نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية تمر عادة عبره، في وقت قالت فيه إيران إن السفن يجب أن تنسق مع بحريتها للمرور. وفي موازاة ذلك، تحدثت تقارير أممية وإعلامية عن ألغام بحرية وتعطل شديد في الحركة، ما يرفع احتمال أن تكون أي شرارة جديدة في البحر أخطر من كثير من الضربات الجوية على اليابسة.
خارك والضغط على شريان النفط الإيراني
أحد أكثر التطورات دلالة هو انتقال الضغط العسكري نحو بنية التصدير النفطي الإيرانية، مع بروز جزيرة خارك كعقدة استراتيجية في المشهد الحالي. وأشارت تغطية وكالة أسوشيتد برس إلى أهمية خارك بوصفها قلب نظام تصدير النفط الإيراني، بالتزامن مع حديث ترامب عن ضربات عليها وتهديده بتوسيع الاستهداف نحو بنى نفطية أخرى إذا استمرت طهران في تهديد الملاحة. المعنى هنا أن الحرب تتحرك أكثر فأكثر من استنزاف عسكري إلى خنق اقتصادي متبادل.
الخليج أمام خطر التوريط المباشر
التطور الأشد حساسية إقليميًا هو أن إيران بدأت، بحسب أسوشيتد برس، توجيه تهديدات مباشرة لموانئ رئيسية في الإمارات، بما فيها جبل علي وخليفة والفجيرة، مع اتهامات بأن الولايات المتحدة تستخدم أراضي إماراتية في الهجمات. كما تحدثت تقارير عن هجمات ومخاطر ممتدة إلى الكويت والبحرين والإمارات. وإذا استمر هذا المنحى، فإن الساعات المقبلة قد تدفع مزيدًا من دول الخليج من موقع المتأثر بالحرب إلى موقع المنخرط أمنيًا فيها، وهو ما قد يوسّع التحالف المضاد لطهران بدل أن يضيّقه.
حشد بحري دولي محتمل
في المقابل، يتجه الخطاب الأمريكي نحو تدويل حماية الملاحة. فقد نقلت رويترز عن ترامب قوله إن “دولًا كثيرة” سترسل قطعًا بحرية للمساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا. هذا التطور، إن تحول إلى تحرك عملي، قد يضع المنطقة أمام واحد من سيناريوهين: إما فرض ممرات عبور محمية وخفض نسبي للخطر، أو احتكاك مباشر في البحر بين قوات إيرانية وقوات متعددة الجنسيات، وهو سيناريو يحمل مخاطر انفجار أكبر.
البعد الإنساني والاقتصادي يضغط على القرار
لم تعد الحرب تُقاس فقط بعدد الأهداف والقذائف. الأمم المتحدة حذرت من أن تعطيل هرمز بدأ يعرقل إيصال الغذاء والدواء ويرفع الكلفة ويؤخر الشحنات الإنسانية. وفي الخلفية، يتزايد الضغط على الأسواق وسلاسل الإمداد، ما يضيف عاملاً جديدًا إلى حسابات الأطراف: كل يوم إضافي من التصعيد البحري يضاعف كلفة الحرب سياسيًا واقتصاديًا، حتى على الدول غير المنخرطة عسكريًا فيها.
ما الذي قد يحدث خلال 48 ساعة؟
المعطيات الحالية تفتح ثلاثة احتمالات رئيسية خلال اليومين المقبلين. الأول: ضربة أوسع على بنية النفط أو الموانئ الإيرانية إذا رأت واشنطن وتل أبيب أن الضغط البحري يتصاعد. الثاني: احتكاك بحري مباشر في هرمز مع بدء ترتيبات مرافقة أو حماية للسفن. الثالث: اختراق سياسي محدود إذا نجحت الوساطات في فرض تهدئة جزئية ترتبط بالملاحة أو بالممرات الإنسانية، حتى لو لم تصل إلى وقف نار شامل. لكن حتى الآن، الترجيح الأقوى في ضوء تعثر الوساطة، والتصعيد في الخليج، واللغة الأمريكية والإيرانية المتشددة، هو أن المنطقة تتجه إلى جولة ضغط أكبر قبل أي تهدئة محتملة.
خلاصة المشهد
الحرب لم تعد مجرد مواجهة جوية بين إيران وإسرائيل بدعم أمريكي، بل أصبحت معركة على ممرات الطاقة والنفوذ الإقليمي وحدود الردع. ولهذا تبدو الـ48 ساعة المقبلة مفصلية: إما أن تفتح بابًا لاحتواء اضطراري تحت ضغط الاقتصاد والملاحة، أو أن تدفع نحو تصعيد أكبر يجعل الخليج كله داخل قلب الحرب لا على هامشها.
