بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
مع حلول شهر رمضان من كل عام، تتجدد مظاهر التضامن الاجتماعي في المجتمعات العربية والإسلامية، ويبرز الشباب باعتبارهم الفاعل الأكثر حضورا في المبادرات التطوعية. فبين موائد الإفطار الجماعي، وحملات توزيع المساعدات، والمبادرات الرقمية الداعمة للفئات الهشة، يتحول رمضان إلى مساحة اجتماعية واسعة يعيد فيها الشباب تعريف دورهم داخل المجتمع، ليس فقط كمستفيدين من التضامن، بل كصنّاع له.
- روح رمضان كحافز للعمل التطوعي
يرتبط العمل التطوعي في رمضان بمنظومة قيمية عميقة، حيث يشجع البعد الديني للشهر على الإحسان والتكافل والتعاون. هذا المناخ الروحي يخلق دافعا نفسيا قويا لدى الشباب، يدفعهم إلى المشاركة في أعمال الخير بشكل أكبر مقارنة ببقية أشهر السنة. فالصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام، بل يمتد ليصبح ممارسة اجتماعية تعزز الإحساس بالآخرين، خاصة الفئات الأكثر هشاشة.
ويلاحظ أن كثيراً من الشباب يجدون في العمل التطوعي خلال رمضان فرصة عملية لترجمة القيم التي يؤمنون بها إلى سلوك ملموس، ما يمنحهم شعورا بالانتماء والجدوى الاجتماعية.
- التحول من العمل الخيري التقليدي إلى المبادرات المنظمة
لم يعد العمل التطوعي مقتصراً على المبادرات الفردية البسيطة، بل شهد خلال السنوات الأخيرة تحولا ملحوظا نحو التنظيم والاحترافية. فقد أصبحت مجموعات شبابية تعتمد التخطيط المسبق، وتقسيم الأدوار، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتنسيق وجمع التبرعات ونشر الوعي.
هذا التحول يعكس وعيا جديدا لدى الشباب، حيث لم يعد الهدف فقط تقديم المساعدة الآنية، بل تحقيق أثر مستدام، مثل حملات محاربة هدر الطعام، أو دعم الأسر طيلة الشهر بدل الاكتفاء بمساعدات ظرفية.
- العمل التطوعي كمدرسة لاكتساب المهارات
بعيدا عن البعد الإنساني، يوفر التطوع للشباب فضاءً لتطوير مهارات حياتية ومهنية مهمة. فتنظيم المبادرات يتطلب القيادة، والعمل الجماعي، والتواصل، وإدارة الوقت، وحل المشكلات. لذلك أصبح التطوع بالنسبة لكثير من الشباب تجربة تكوينية غير رسمية تساهم في بناء الشخصية وتعزيز فرص الاندماج المهني مستقبلاً.
كما أن التجربة التطوعية تساعد الشباب على توسيع شبكة علاقاتهم الاجتماعية، وتمنحهم فهما أعمق لواقع المجتمع وتحدياته.
- تحديات تواجه العمل التطوعي الشبابي
رغم هذا الحضور القوي، يواجه العمل التطوعي عدة تحديات، أبرزها غياب التأطير المستمر خارج شهر رمضان، وضعف الدعم اللوجستي لبعض المبادرات، إضافة إلى محدودية التكوين في مجال العمل الجمعوي. كما أن بعض الأنشطة تبقى موسمية، تنشط خلال رمضان ثم تتراجع بعده، مما يطرح سؤال الاستدامة.
ويشير متابعون للشأن الاجتماعي إلى أن تحويل الحماس الرمضاني إلى ثقافة تطوعية دائمة يتطلب شراكة بين المؤسسات التعليمية والجمعيات والسلطات المحلية، بهدف خلق برامج تطوعية مستمرة طوال السنة.
- بين العطاء والوعي المجتمعي
الأهم في ظاهرة تطوع الشباب خلال رمضان ليس فقط حجم المساعدات المقدمة، بل التحول في الوعي الجماعي. فالشباب اليوم لا يكتفون بتقديم الدعم المادي، بل يسعون أيضا إلى نشر قيم التضامن والكرامة الإنسانية، وإشراك المجتمع في مسؤولية مشتركة تجاه الفئات المحتاجة.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن رمضان يشكل مختبرا اجتماعيا سنويا تظهر فيه طاقات الشباب الكامنة، ويؤكد أن العمل التطوعي لم يعد مجرد نشاط جانبي، بل أصبح مؤشرا على حيوية المجتمع وقدرته على التجدد.
خلاصة القول أن الشباب والعمل التطوعي في رمضان علاقة تتجاوز اللحظة الزمنية للشهر الفضيل، فهي تعبير عن جيل يبحث عن معنى أعمق للمواطنة والمشاركة، ويؤمن بأن التغيير الحقيقي يبدأ بخطوة صغيرة… غالبا ما تنطلق من مائدة إفطار مشتركة أو مبادرة إنسانية بسيطة، لكنها تترك أثرا كبيرا في المجتمع.
