بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
لا تمرّ لحظة رأس السنة هذه المرة بالمغرب كما سابقتها من الأعوام، إذ تتقاطع أجواء وداع سنة واستقبال أخرى مع حدث قاري استثنائي يتمثل في تنظيم كأس إفريقيا للأمم. فبين العدّ التنازلي لدخول عام جديد، كانت الملاعب المغربية تعدّ بدورها دقائق المباريات، في مشهد يختزل تلاقي الاحتفال الشعبي مع المسؤولية التنظيمية.
ومع مرور أزيد من عشرة أيام على انطلاق البطولة، بدا واضحًا أن المغرب اختار أن يستقبل السنة الجديدة وهو في قلب الحدث، لا على هامشه. فالمدن المحتضنة لـ“الكان” عاشت ليلة رأس السنة على إيقاع مزدوج: فرحة عام جديد، ونبض كرة إفريقية تجمع شعوب القارة فوق أرض المملكة.
تنظيم كأس إفريقيا للأمم في هذا التوقيت الزمني يمنح لرأس السنة دلالة مختلفة، حيث تحوّلت المناسبة من مجرد محطة احتفالية إلى لحظة تقييم أولي لمسار بطولة تسير في ظروف تنظيمية محكمة. الملاعب، النقل، الأمن، والاستقبال، كلها عناصر رافقت أيام العيد بنجاعة، ما عزز الانطباع بأن التنظيم المغربي قادر على تدبير ضغط المناسبات الكبرى دون ارتباك.
وفي الوقت الذي ارتبطت فيه رأس السنة لدى كثيرين بأجواء الراحة والتوقف، واصلت مختلف المتدخلين عملهم دون انقطاع، من سلطات عمومية وأطر تقنية ومتطوعين، لضمان استمرار البطولة في أفضل الظروف. هذا التزامن بين عطلة عالمية وحدث رياضي إفريقي شكّل اختبارًا حقيقيًا، نجح المغرب في اجتيازه خلال الأيام الأولى من المنافسة.
كما أضفى الحضور الجماهيري الإفريقي على احتفالات رأس السنة طابعًا خاصًا، حيث تحولت بعض الساحات والمناطق المحيطة بالملاعب إلى فضاءات للفرح المشترك، تعكس روح التعايش والانفتاح التي تميّز المجتمع المغربي. وهكذا، لم يكن الاحتفال مقتصرًا على العدّ التنازلي للعام الجديد، بل شمل أيضًا احتفاءً بكرة القدم كقاسم مشترك بين شعوب القارة.
وعلى المستوى الرمزي، يجسد هذا التزامن رسالة قوية مفادها أن المغرب يدخل عامه الجديد وهو منخرط في مشروع قاري كبير، يربط بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم المحكم وتعزيز الحضور الإفريقي للمملكة. فـ“كان المغرب” لم يعد مجرد بطولة، بل مناسبة لتأكيد الثقة في الكفاءة الوطنية والقدرة على تدبير الأحداث الكبرى مهما كانت الظروف.
هكذا، وبين أضواء رأس السنة وصافرات الملاعب، يفتتح المغرب عامًا جديدًا وهو يحمل على عاتقه مسؤولية قارية، يحوّل فيها الاحتفال إلى عمل، والفرح إلى التزام، ليؤكد أن كرة القدم يمكن أن تكون عنوان بداية، لا مجرد نهاية عام.
