لا شك أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على ايران أو حرب الخليج الثانية قد أحدثت زلزالا مدمرا للنظام الإقليمي العربي ولمؤسساته وهياكله (مجلس الجامعة العربية_ مجلس الدفاع المشترك – اللجان والمنظمات الموازية..) ووصل التدمير الى حد تحطيم الروابط التاريخية والحضارية القائمة بين الدول أو التماسك الداخلي الإقليمي وما من شك أن المخطط الإمبريالي نفسه يفترض بالضرورة مزيدا من الانهيار في بنية هذا النظام الإقليمي العربي والمؤسسات الإقليمية الموازية (الجامعة العربية1944_ مجلس التعاون الخليجي 1981_ اتحاد المغرب العربي1989_ ) واقامة التعارض بينها بل وصل الانهيار والتدمير المنظم الى حد حدوث صراع وتعارض بين أحزاب وتيارات وتكتلات داخل القطر أو الدولة الواحدة وعلى امتداد الوطن العربي (أحزاب قومية ودينية وعلمانية وحركات وميليشيات مسلحة ومنظمات مدنية تتصارع من أجل السلطة كما في السودان ولبنان وليبيا واليمن..) والمشروع الأمريكي هو جزء لا يتجزأ من المشروع الإمبريالي المستمر منذ أواسط القرن التاسع عشر والتي تناوبت على تنفيذه فرنسا وانكلترا واسبانيا وايطاليا قبل أن تتزعمه الولايات المتحدة منفردة في هذه المرحلة من الانحدار التاريخي للأمة العربية.
وتوزعت مواقف السياسيين والمثقفين العرب حول هذه الحرب أكثر مما توزعت مواقف أنظمتهم السياسية وتباينت ولاءاتهم التي تحركها المصالح والمنافع والمطامع الشخصية والحزبية والسياسية كما تفسر في نفس الوقت السرعة التي يتم بها تغيير مواقف هؤلاء المثقفين والسياسيين ازاء هذه الحرب ودون مبررات مقنعة. هذه المواقف منها ما يدخل ضمن المرجعية الوطنية أو القومية ومنها ما يدخل ضمن المرجعية الإسلامية كما أن منها ما يحيل على القانون الدولي وحقوق الانسان والأدهى والأمر أن هناك اختلاف في الآراء داخل المرجعية الواحدة حيث هناك من الإسلاميين من يدعم دول الخليج وخصوصا السعودية وقطر ويبرر التحالف مع أمريكا وربيبتها وشرعية الاستعانة بالقوات “الصديقة” لدرء العدوان الإيراني كما ان هناك من الإسلاميين وحتى من العلمانيين !! من يناصر صواريخ ايران و”يتخفى” تحت شعارات الشرعية والأخوة الدينية والحق والقانون… اما موقف الحركات القومية فكان منشطرا بين من يدعو الى تحصين النظام الاقليمي العربي ودفعه ليكون قوة فاعلة في اطار التأثير المتبادل مع فواعل النظام العالمي الجديد ومنهم من أعلن عن وفاة هذا النظام الاقليمي العربي بعد تخلي مصر(الدولة الاقليم) عن دورها التاريخي وتحولها لصف التحالف الأمريكي الإسرائيلي وتفضيلها لمصالحها القطرية على المصالح القومية، ولقد فضحت الحرب الحالية سياستها الحربائية رغم “تنعمها” بالمساعدات والهبات المالية والعينية من دول الخليج العربي والذي يتساقط عليها ك”الرز” منذ الانقلاب العسكري على النظام الديموقراطي في عهد مرسي.
أما المثقفون العرب خلال هذه الحرب فقد غطت أدمغتهم طبقة كلسية .. تنصلوا لقوميتهم ومبادئهم .. لجأوا للصمت حينا والمحاباة لسلطة المؤسسات وارضاء العواطف العامة حينا اخر.. لم ينتصروا لا لسلطان العقل ولا لسلطان الحق.. لم يناصروا اخوتهم في الدم والدين بالخليج ولم يناصروا الظالم “الشقيق” ولا الظالم “الصديق”.. أحدثوا انقسامات داخل المجتمع وبين مختلف قطاعات الجمهور بمواقفهم المتذبذبة ومالوا مع الرياح الايديولوجية السائدة.. وتسببوا في انقسام نفسي وعاطفي وسياسي وثقافي .. مما يسهل الاختراق والتأثير الدعائي لوسائل الاعلام الغربية الخارقة وما تبثه من أخبار ومعلومات ومعارف قصد تشكيل الآراء والاتجاهات لتغيير أنماط السلوك وغسيل المخ لضبط وتحديد ردود فعل الأفراد والمجتمعات ازاء ما يحدث في الخليج العربي وايران وباقي دول الشرق الاوسط .
برهنت هذه الحرب الخليجية الثانية مرة أخرى أن المفكر والمثقف العربي كلما عاش امتحانا تاريخيا عسيرا الاّ واختبأ وراء مواقف آنية وعابرة أكثر ما يعبر عن موقف ورؤية وطنية قومية وحضارية شمولية بوضوح وشجاعة وانضباط واخلاص لأن الفكر ليس بضاعة بل رسالة وليس وظيفة بل دعوة..
برهنت الحرب الخليجية الثانية عن تخلي المثقفين عن رسالتهم النبيلة عبر ممارستهم للعواطف السياسية التلقائية الرومنطيقية والشعارات الايديولوجية المثالية والطوباوية على حساب المبادئ والحقوق والقيم الإنسانية العليا .. ينتصرون للعواطف والشعارات ويتهربون من المسؤولية ومن المحاسبة المجتمعية.. يلجؤون الى الأسلوب الخطابي لاستنهاض الهمم واعلان “الجهاد المقدس” على الورق.. لكن يخافون من الهزيمة والعجز وكأنهم يعانون من القلق والاضطراب النفسي فيكبحون بذلك التاريخ بدلا من دفعه ويغيبون الوعي عوض ترشيده.
في أتون هذه الحرب المدمرة للقيم والأوطان تحولت الحرب الى مساحة واسعة لإسقاطات نفسية فردية وجماعية كل يسقط فيها ومن موقعه مشاكله وآلامه أو بعض طموحاته وآماله .. الى أن امتد حجم الكارثة وحجم الهزيمة الى العقل والى الروح,,,,
بعبارة موجزة، ان النظام الإقليمي العربي الآن في أدنى مرتبة له من التماسك الداخلي والإقليمي والمثقف العربي في غرفة الانعاش يعاني مرض فقدان الذاكرة !!!!
ذ، محمد بادرة


التعاليق (0)