لم يعد جيتكس إفريقيا المغرب 2026 مجرد معرض تكنولوجي عابر، بل أصبح مؤشرا حقيقيا على التحول الرقمي الذي تشهده القارة الإفريقية، وعلى الطموح المتزايد للمغرب ليكون منصة رقمية إقليمية. الأرقام المسجلة في هذه الدورة الرابعة تعكس حجم هذا التحول، وتكشف عن دينامية غير مسبوقة في مجال الابتكار والتكنولوجيا.
عرف معرض جيتكس أرقاما قياسية تؤكد مكانة الحدث في القارة الإفريقية بمشاركة واسعة وغير مسبوقة للدول والشركات والمؤسسات والمستثمرين وأخيرا الزوار. الأرقام التالية تؤكد بالملموس رغبة المغرب في أن يتحول إلى منصة تكنولوجية في إفريقيا (Hub Technologique en Afrique):
أكثر من 55 ألف زائر من مختلف أنحاء العالم، وهناك تقارير تتحدث عن 70 ألف زائر، مقابل 45 ألف زائر في 2025 و40 ألف سنة 2024.
ما يفوق 1500 شركة عارضة.
حضور أكثر من 400 مستثمر دولي.
مشاركة ممثلين عن 130 دولة.
مشاركة أكثر من 650 وفدا حكوميا ومؤسساتيا.
حوالي 700 متحدث وخبير دولي.
هذا التطور يبين أن جيتكس إفريقيا يسجل نموا سنويا ملحوظا، سواء من حيث عدد المشاركين أو حجم الشركات، مما يعزز مكانته كأكبر معرض تكنولوجي في القارة السمراء. رغم هذا النجاح المعزز بالأرقام، لا بد من الإشارة إلى ما عرفه اليوم الأول من سوء التنظيم، وارتباك واضح في تحقيق انسيابية مرنة لولوج المعرض سواء ممثلي الشركات أو الزوار.
لقد شكل ولوج الزوار للمعرض في اليوم الأول، النقطة السلبية الوحيدة في تنظيم المعرض على مدار ثلاثة أيام. كيف يُعقل استعمال وسائل رقمية متقدمة، تسمح بمرور الآلاف من الزوار في أقل من دقيقتين: يتم عرض كود QR على قارئ رقمي الذي يقوم بطباعة شارة المرور (Badge)، بعد ذلك تجد العديد من السَلاَّت لتأخذ الخيط الضروري لوضع الشارة حول العنق. لكن لتصل إلى هذه التجهيزات الرقمية المتطورة، عليك أن تقطع مسافة كبيرة وسط الازدحام مع المارة والسيارات، لتصل إلى بوابة صغيرة يقف وسطها منظمون مغلوب على أمرهم، وتصور معي الفوضى التي ستعم المكان.
هذا التنظيم يوحي بأننا نستعمل نصف الحلول الرقمية، وأننا نريد التحول نحو الرقمنة دون التخلي عن العقلية البيروقراطية. وهي معادلة لا تستقيم في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي. فلا يمكن النجاح في التحول الرقمي بعقلية رافضة للرقمنة ولحلول الذكاء الاصطناعي.
لو انتبه المنظمون لأمرين اثنين، لكان الاستقبال في اليوم الأول في مستوى تقنيات الذكاء الاصطناعي: الأمر الأول متعلق بالوفد الوزاري الذي حضر الافتتاح برئاسة السيد رئيس الحكومة. لم يكن من المعقول حضور كل وزير بسيارة خاصة مرفوقا بالعديد من السيارات تحمل فقط شخصا أو شخصين من وفده الخاص. كثرة سيارات الوفد الرسمي خلقت ارتباكا كبيرا في جنبات معرض يستقبل أكثر من 55 ألف مشارك، دون إعداد مرآب كاف لركن السيارات. والحل جد بسيط ويكمن في حضور الوفد الرسمي باستعمال حافلة وحيدة تقل جميع الوزراء ومرافقيهم.
الأمر الثاني يكمن في التخلي عن العقلية البيروقراطية، والمعادية للتحول الرقمي. فعوض دفع الزوار لقطع مسافة كبيرة وسط الازدحام المروري والتعرض لمخاطر السيارات في الطريق، كان على المنظمين السماح للزوار بالدخول مباشرة للممر الذي يحتضن العشرات من آلات المسح الضوئي (Scaner)، ويقوم كل زائر بعرض كود QR الخاص به ليتمكن من ولوج المعرض في أقل من دقيقتين، كما هو حال اليوم الثاني والثالث. وهذا هو دور الرقمنة وأكبر ميزاتها.
نذكر هذه الملاحظات، لأخذها بعين الاعتبار في النسخ القادمة، من أجل تنظيمٍ في مستوى معرضٍ رقمي بامتياز. ما عدا ذلك، فالمعرض عرف نجاحا متميزا، وبلدنا في أمس الحاجة للاستمرار في تنظيم نسخ قادمة. معرض جيتكس له مزايا كبيرة في العديد من المجالات. ففي المجال الاقتصادي على سبيل المثال، تشير الدراسات إلى أن حجم الاقتصاد الرقمي في إفريقيا سيصل إلى حوالي 2،9 تريليون دولار بحلول 2030. أما سوق الذكاء الاصطناعي في القارة السمراء مرشح للارتفاع من 4،5 مليار دولار إلى 16،5 مليار دولار. وأخيرا سوق الاتصالات سيتجاوز 66 مليار دولار. هذه الأرقام هي التي جعلت جيتكس منصة استراتيجية لربط المستثمرين بالشركات الناشئة والأسواق الصاعدة.
تنظيم هذا الحدث في مراكش يحمل في طياته رهانات المغرب اتجاه الاستثمار في إفريقيا، ويدخل في إطار رؤية استراتيجية تهدف إلى:
جعل المغرب قطبا رقميا إفريقيا (HUB Technologique de l’Afrique)
جذب الاستثمارات التكنولوجية العالمية.
دعم الشركات الناشئة المغربية (أكثر من300 شركة ناشئة مغربية مشاركة) .
تعزيز الشَّراكات بين الحكومات والقطاع الخاص.
هذه الأرقام، رغم أهميتها، لا تعكس وحدها قيمة الحدث. فالأهم هو حجم الأفكار التي يتم تداولها، وعدد الشَّراكات التي يتم توقيعها، وفرص التمويل التي تُفتح أمام الشباب الإفريقي، وأخيرا انتقال إفريقيا من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج ومبتكر لها.
ما ميز النسخة الرابعة من جيتكس، هو قيمة المتحدثين والخبراء في الرقمنة والذكاء الاصطناعي وأنترنيت الأشياء. إنها العناوين الثلاثة التي سيطرت على جميع أشغال المعرض الإفريقي المغربي. تميز المعرض كذلك بعرض تجربة شباب مغربي استطاع تكوين شركات ناشئة نجحت في المغرب، وشرعت في التوسع في إفريقيا وتقديم ابتكاراتها التكنولوجية في القارة السمراء. هذا الشباب المبدع والبعيد عن بروتوكولات الوزراء ومدراء المؤسسات العمومية: أحذية رياضية بدل أحذية لامعة – أقمصة دون ربطة عنق ومحفظة معلقة على الظهر بدل محفظة تقليدية تحملها اليد اليمنى كما هو معتاد… هذا الشباب ينتظر التفاتة حكومية للاستثمار في مقدوراته وكفاءاته من أجل التطور في المغرب والتوسع في إفريقيا.
تميزت النسخة الرابعة من جيتكس بمقدورات وكفاءات إفريقية، توحي بأن الشباب الافريقي قادم إلى عالم الرقمنة والذكاء الاصطناعي، ليحول قارته من مستهلك إلى منتج للذكاء الاصطناعي وللمعرفة الرقمية عموما.
لقد أثبت جيتكس 2026، أن القارة الافريقية قادمة بكفاءاتها وبسواعدها لأنها لم تقل بعد كلمتها في الذكاء الاصطناعي.
في الختام نقول إن أرقام جيتكس إفريقيا المغرب 2026، تؤكد أن القارة الإفريقية دخلت فعليا عصر الثورة الرقمية، وأن المغرب يتموقع بقوة في قلب هذا التحول. إنه ليس مجرد معرض، بل منصة استراتيجية ترسم ملامح مستقبل الاقتصاد الرقمي في إفريقيا، حيث تتحول الأرقام إلى مؤشرات قوة، والطموحات إلى مشاريع واقعية.
سعيد الغماز-كاتب وباحث في الرقمنة والذكاء الاصطناعي
التحول الرقمي لا يكتمل بالعقلية البيروقراطية: دروسمن جيتكس 2026
شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات