ليس كل ما يحدث اليوم يمكن تبريره باسم التطور أو الحرية، وليس كل ما يُعرض على الشاشات يستحق أن يتحول إلى سلوك يومي في الشارع. ما نشهده لم يعد مجرد اختلاف في الأساليب أو تغير في الأذواق، بل أصبح انزلاقاً تدريجياً نحو فوضى قيمية يُعاد تسويقها على أنها “عادية”، في وقت يتراجع فيه الإحساس بالحدود، ويصبح الصمت أحياناً أخطر من الفعل نفسه.
هل نحن أمام حرية أم فوضى؟
السؤال الذي يجب طرحه بوضوح هو ما إذا كان ما يحدث تعبيراً عن حرية حقيقية، أم مجرد فوضى يتم تبريرها بشعارات جذابة. الحرية لا تعني غياب الضوابط، ولا تعني أن يتحول الفضاء العام إلى ساحة مفتوحة لكل السلوكيات دون مراعاة للآخرين. حين يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين الحرية والانفلات، يصبح كل شيء قابلاً للتبرير، حتى ما كان يُعتبر في وقت قريب مرفوضاً بشكل قاطع.
من يصنع النموذج اليوم؟
لم تعد الأسرة ولا المدرسة وحدهما من يحدد ملامح السلوك، بل أصبحت المنصات الرقمية المصدر الأقوى للتأثير، حيث تُعرض نماذج متناقضة ومربكة، ويُقدَّم “الاستفزاز” أحياناً على أنه جرأة، و“الانفلات” على أنه تحرر. القاصر الذي يتعرض لهذا المحتوى بشكل يومي لا يملك دائماً الأدوات اللازمة للتمييز، فيتحول التقليد إلى رد فعل طبيعي، دون إدراك للعواقب.
التطبيع الصامت أخطر من الصدمة
المشكلة لا تكمن فقط في ظهور سلوكيات مرفوضة، بل في سرعة تقبلها. حين يتكرر المشهد، يعتاد عليه الناس، وحين يعتادون عليه، يتوقفون عن رفضه. هنا يحدث التحول الحقيقي، لأن المجتمع لا يتغير بالقرارات المفاجئة، بل بالتحولات الصامتة التي تمر دون مواجهة. أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نفقد حساسية الرفض، لأن ذلك يعني أن الخطوط الحمراء بدأت تختفي.
من يدفع الثمن؟
قد يعتقد البعض أن الأمر لا يتجاوز كونه “تفريغاً” أو “تعبيراً عن الذات”، لكن الواقع يظهر أن الثمن يُدفع يومياً في شكل توتر اجتماعي، واضطراب في العلاقات، وتراجع في جودة الحياة. الفضاء العام لم يعد يوفر الإحساس نفسه بالأمان أو الاحترام، والضوضاء والسلوكيات غير المنضبطة أصبحت جزءاً من مشهد يومي يرهق الجميع، حتى أولئك الذين لم يختاروه.
المسؤولية المشتركة… أم الهروب الجماعي؟
الأسهل دائماً هو إلقاء اللوم على جهة واحدة، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً. الأسرة التي تكتفي بالمراقبة دون حوار، والمدرسة التي تركز على المعارف دون القيم، والإعلام الذي يلاحق الإثارة على حساب المسؤولية، كلها عناصر تساهم بشكل أو بآخر في هذا الوضع. المشكلة تبدأ حين يتحول النقاش إلى تبادل للاتهامات بدل البحث عن حلول حقيقية.
سؤال لا يمكن الهروب منه
هل نقبل فعلاً أن يتحول كل ما كان مرفوضاً إلى أمر عادي فقط لأنه يتكرر؟ وهل الصمت عن هذه التحولات هو نوع من التسامح أم شكل من أشكال التنازل؟ النقاش هنا ليس أخلاقياً فقط، بل يتعلق بمستقبل التوازن داخل المجتمع، وبقدرة الأجيال القادمة على التمييز بين ما يحافظ على هذا التوازن وما يهدده.
المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى وضوح في المواقف. بين الحرية والانفلات خيط رفيع، وإذا لم يتم الانتباه إليه، فقد نجد أنفسنا أمام واقع يصعب التحكم فيه لاحقاً. السؤال لم يعد ماذا يحدث، بل إلى أي حد نحن مستعدون لمواجهته.
