بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
لم تكن الفيضانات التي ضربت شمال المغرب مجرد حادث طبيعي عابر، بل شكلت لحظة كاشفة لقدرة الدولة على إدارة الأزمات الكبرى في زمن التحولات المناخية المتسارعة. فبين ارتفاع منسوب المياه واتساع رقعة المناطق المتضررة، برز سؤال جوهري: هل تستطيع المؤسسات الوطنية احتواء كارثة بهذا الحجم دون انهيار اجتماعي أو إنساني؟
الأحداث التي عرفتها أقاليم الشمال قدمت جواباً عملياً؛ إذ عادت المياه إلى مجاريها، وعاد المواطنون إلى بيوتهم سالمين، في مشهد يعكس انتقال المغرب من منطق التدخل الارتجالي إلى نموذج قائم على الاستباق والتعبئة الشاملة.
- القيادة الميدانية… قرار سياسي قبل أن يكون تدبيراً تقنياً
تشير المعطيات الميدانية إلى أن التدخل لم يكن رد فعل متأخراً، بل جاء نتيجة توجيهات مركزية مباشرة تحت إشراف جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، الذي تابع تطورات الوضع منذ بدايته، واضعاً حماية الأرواح فوق كل اعتبار.
وقد تجسد هذا التوجه في إسناد العمليات الميدانية إلى مؤسسات ذات جاهزية عالية، مع تسريع وتيرة اتخاذ القرار، ما سمح بإجلاء نحو 188 ألف شخص قبل وصول الفيضانات إلى ذروتها. هذا الاختيار عكس فلسفة تدبير قائمة على الوقاية بدل معالجة الخسائر بعد وقوعها.
كما برز البعد الإنساني في المبادرة الملكية عبر تقديم دعم مالي من ماله الخاص حفظه الله لفائدة المتضررين، في خطوة عززت البعد التضامني للدولة وأعطت بعداً رمزياً قوياً لتلاحم القيادة والشعب خلال الأزمات.
- دولة تعتمد على إمكاناتها الذاتية
أحد أبرز المؤشرات التي سجلها المتتبعون هو اعتماد المغرب بشكل شبه كامل على قدراته الوطنية في تدبير الأزمة، دون انتظار دعم خارجي عاجل. فقد قادت العمليات الميدانية وحدات القوات المسلحة الملكية المغربية مدعومة بعناصر الدرك الملكي المغربي، إلى جانب تعبئة أجهزة الأمن والإنقاذ.
هذا الحضور الميداني لم يقتصر على الإنقاذ فقط، بل شمل:
- تأمين المناطق المهجورة وحماية الممتلكات؛
- تنظيم مراكز الإيواء والخدمات الصحية؛
- ضمان استمرار التموين والربط الطرقي؛
- إعادة الخدمات الأساسية فور انحسار المياه.
وقد لعبت وزارة الداخلية المغربية دور غرفة القيادة، من خلال تنسيق الجهود بين السلطات المحلية وباقي المتدخلين، ما قلّص زمن الاستجابة ورفع فعالية التدخل. - الأمن والإنقاذ… شبكة مؤسسات تعمل كجسد واحد
اللافت في هذه الأزمة هو مستوى الانسجام بين مختلف الأجهزة، حيث شارك في العمليات كل من الأمن الوطني المغربي والقوات المساعدة المغربية، إلى جانب الوقاية المدنية المغربية والسلطات المحلية ومتطوعين من المجتمع المدني.
هذا التنسيق الميداني أظهر نموذجاً عملياً لما يسمى “الأمن الشامل”، حيث تتكامل الوظائف العسكرية والأمنية والإنسانية في إطار هدف واحد: حماية المواطن.
- قراءة استقصائية: لماذا نجح التدخل هذه المرة؟
تحليل مجريات الأحداث يكشف عدة عوامل حاسمة:
- أولاً: القرار المبكر
الإجلاء الاستباقي حال دون وقوع خسائر بشرية كبيرة، وهو عنصر غالباً ما يغيب في تجارب دول أخرى. - ثانياً: مركزية القيادة ووحدة القرار
وجود قيادة واضحة خفف من تضارب الاختصاصات وسرّع التنفيذ. - ثالثاً: تراكم الخبرة المؤسساتية
سنوات من الاستثمار في البنية التحتية والسدود وأجهزة التدخل السريع جعلت الدولة أكثر استعداداً لمواجهة الظواهر القصوى. - رابعاً: الثقة المجتمعية
امتثال المواطنين لقرارات الإجلاء ساهم في نجاح العملية، وهو مؤشر على قوة العلاقة بين الدولة والمجتمع. - من الأزمة إلى الثقة الجماعية
مع عودة السكان إلى منازلهم، لم تكن العودة مجرد نهاية لفيضانات، بل لحظة استعادة للطمأنينة الجماعية. فقد وجد المواطنين ممتلكاتهم محفوظة، وهو تفصيل صغير ظاهرياً لكنه عميق الدلالة؛ إذ يعكس حضور الدولة حتى في غياب أصحاب البيوت.
- كلمة وفاء في ختام الأزمة
إن نجاح هذه العملية يفرض توجيه الشكر والتقدير لكل من ساهم في حماية الأرواح والممتلكات: القوات المسلحة الملكية، الدرك الملكي، الأمن الوطني، القوات المساعدة، السلطات المحلية، عناصر الوقاية المدنية، وكل المتطوعين الذين جسدوا روح التضامن المغربي الأصيل.
لقد أثبتت هذه المحنة أن الأزمات قد تختبر الدول، لكنها أيضاً تكشف معدنها الحقيقي. ولا خوف على مغرب يقوده الملك محمد السادس، في ظل مؤسسات قادرة على التحرك، وشعب متماسك يعرف كيف يتحول التضامن فيه إلى قوة وطنية جامعة.
