بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
يحتفل المغرب بتنظيمه لكأس إفريقيا للأمم في لحظة وطنية دالة، تتقاطع فيها الرياضة مع التاريخ، ويتجاور فيها الفعل التنموي مع الذاكرة النضالية، تزامنًا مع الذكرى الثانية والثمانين لتقديم وثيقة الاستقلال. وهو تزامن يكتسب عمقًا خاصًا حين يُقرأ في ضوء الرؤية الملكية التي جعلت من الرياضة، وخاصة كرة القدم، أداة استراتيجية لتعزيز الإشعاع الوطني وترسيخ الانتماء الإفريقي.
لقد أكد جلالة الملك محمد السادس، في أكثر من خطاب، أن إفريقيا ليست فقط عمقًا جغرافيًا للمغرب، بل خيارًا استراتيجيًا ثابتًا، وأن التعاون جنوب–جنوب ركيزة أساسية للسياسة الخارجية للمملكة. وفي هذا السياق، يندرج احتضان كأس إفريقيا للأمم كترجمة عملية لهذه الرؤية، حيث تحولت المملكة إلى فضاء جامع للأشقاء الأفارقة، ومنصة للتقارب الثقافي والإنساني، تتجاوز حدود المنافسة الرياضية الضيقة.
وجاء بلوغ المنتخب الوطني المغربي نصف نهائي البطولة ليعكس، من جهة أخرى، ما عبّر عنه جلالة الملك في خطابه عقب الإنجاز التاريخي في مونديال قطر، حين أكد أن ما حققه “أسود الأطلس” هو ثمرة عمل طويل، وتخطيط محكم، وإيمان بالقدرات الوطنية. فالأداء القوي للمنتخب في كأس إفريقيا للأمم لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة رؤية شمولية تعتبر الرياضة مدرسة للقيم، ومجالًا لترسيخ روح الانضباط، والتضحية، والعمل الجماعي.
وإذا كانت وثيقة الاستقلال سنة 1944 قد جسّدت وعيًا وطنيًا جماعيًا بضرورة التحرر وبناء الدولة، فإن المغرب اليوم، بقيادة جلالة الملك، يخوض معركة من نوع آخر: معركة تثبيت مكانته كقوة إقليمية صاعدة، تعتمد على التنمية البشرية، والبنيات التحتية الحديثة، والدبلوماسية الناعمة، وفي مقدمتها الدبلوماسية الرياضية. وقد شدد جلالته في خطب متعددة على أن الرهان الحقيقي هو بناء مغرب الكفاءات والمؤسسات، لا مغرب الشعارات الظرفية.
إن تنظيم كأس إفريقيا للأمم بنجاح، مقرونًا بإنجاز رياضي وطني، يعكس هذا التحول العميق في مفهوم السيادة، حيث لم تعد تُقاس فقط بالحدود السياسية، بل بالقدرة على التنظيم، والتأثير، وكسب الاحترام الدولي. وهو ما ينسجم مع الخطاب الملكي الذي دعا مرارًا إلى الثقة في الذات الوطنية، والاستثمار في الشباب، وجعل الطموح سقفًا دائمًا للإنجاز.
هكذا، يلتقي معنى وثيقة الاستقلال كفعل تحرر وإرادة، مع الرؤية الملكية المعاصرة التي تجعل من الرياضة رافعة للتنمية والوحدة والإشعاع. وبين مدرجات الملاعب وذاكرة النضال الوطني، يواصل المغرب، ملكًا وشعبًا، كتابة قصة وطن اختار أن يصنع مجده بأدوات العصر، دون أن ينسى جذوره الراسخة في تاريخ الكفاح والكرامة.


التعاليق (0)