في لحظة دقيقة من تاريخ مهنة المحاماة بالمغرب، اختار المحامون من شرفاء المهنة، أن يعلوا صوت المبدأ على حساب الجمود، وأن ينتصروا لقيم المهنة قبل أي اعتبار آخر، فكان الامتثال الواسع والمسؤول لقرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية حتى إشعار آخر، تعبيرًا ناضجا عن وعي جماعي بأن الدفاع عن استقلالية المحاماة ليس ترفا مهنيا، بل شرطا جوهريا لصون العدالة وحماية الحقوق والحريات.
لقد أبانت هذه المحطة النضالية عن معدن أصيل داخل الجسم المهني، معدنٍ لا يلين أمام محاولات التهوين ولا ينكسر أمام خطابات التثبيط، بل يزداد صلابة كلما اشتدت الضغوط. فالتوقف عن العمل، بما يحمله من تضحيات مادية ومعنوية، لم يكن قرارا سهلا، لكنه كان قرارا شجاعا ومسؤولا و ملحا، جسد أسمى معاني الالتزام برسالة المحاماة، تلك الرسالة التي لا تقاس بالألقاب المهنية و الشعارات الظرفية، وإنما بميزان القيم والمبادئ و المواقف المشرفة عند وقت الأزمات و المحن المهنية.
وإذا كان من حق الجميع إبداء الرأي، فإن التاريخ لا يرحم المواقف الرمادية في اللحظات الفاصلة. فالمحاماة، عبر مسارها الطويل، لم تبن يوما على التردد أو الحسابات الضيقة و على الآنانية و المصالح الزائلة، بل شيدت بتضحيات جسيمة لرجال ونساء آمنوا بأن الدفاع عن القضايا العادلة يقتضي أحيانا دفع أثمان باهظة و بنكران للذات منقطع النظير.
ومن هذا المنطلق، فإن كل خطاب يسفّه النضال المهني أو يقلّل من جدوى الاحتجاج المشروع، لن يكون له من أثر سوى تأكيد صواب هذا المسار، إذ لن ينال من عزيمة المحامين ولا من صمودهم الراسخ، بل سيزيدهم إصرارًا على مواصلة الدفاع عن استقلال مهنتهم وحصانتها، إلى أن يتحقق النصر الذي تفرضه عدالة القضية ومشروعية المطالب.
ومن هذا المنطلق، فإن كل خطابٍ يسفه النضال المهني أو يسعى إلى التقليل من جدوى الاحتجاج المشروع، لا يعبر إلا عن ضيق الأفق في فهم رسالة المحاماة وطبيعة معاركها التاريخية، وهو خطاب لن ينال من عزيمة المحامين ولا من صمودهم، بل سيظل معزولا عن نبض المهنة ووجدانها، فيما تمضي الأسرة المهنية، بثبات ويقين، في معركتها المشروعة دفاعا عن الاستقلال والحصانة، إلى أن يتحقق النصر الذي تفرضه عدالة القضية و مشروعية المطال .
لقد كانت المحاماة، في مختلف المحطات التاريخية عبر جل بقاع العالم، في طليعة المنافحين عن الحقوق والحريات: من معارك التحرر الوطني، إلى الدفاع عن المعتقلين السياسيين، إلى مناصرة القضايا الاجتماعية والإنسانية الكبرى. ولم يكن ذلك وليد الصدفة، بل نتيجة هوية نضالية راسخة، تؤطرها المواثيق والعهود الدولية، وفي مقدمتها مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين، التي تجعل من استقلال المحامي وحريته وحصانته ضمانة للمحاكمة العادلة وحق للمجتمع ، لا امتيازا فئويا.
إن مشروع القانون 66.23، بما يثيره من تخوفات مشروعة داخل الأسرة المهنية، أعاد طرح سؤال جوهري: أي محاماة نريد؟ محاماة تابعة ومقيدة، أم محاماة مستقلة وقوية، قادرة على أداء دورها الدستوري في حماية الحقوق وصيانة التوازن داخل منظومة العدالة؟ والجواب الذي عبر عنه المحامون عمليا، عبر التزامهم الجماعي بقرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية في تى إشعار آخر، هو جواب واضح لا لبس فيه: محاماة حرة، مستقلة، وفية لرسالتها التاريخية.
إن هذه المرحلة تقتضي من الجميع، دون استثناء، استحضار أن المهنة اليوم في حاجة إلى تضحية جماعية، وإلى التفاف صادق حول المؤسسات المهنية وقراراتها، بعيدا عن منطق التشكيك والتخاذل و الأنانية المقيتة. فالنضال ليس حكرا على فئة دون أخرى، بل هو مسؤولية مشتركة، ومسار طويل لا يقاس بنتائجه الآنية، بل بقدرته على حماية المستقبل.
وفي الختام يحسن القول في هذا المقام للمثبطين و المتخاذلين بل حتى للعقلاء من هذا الوطن الغالي، بأن صمود المحامين ليس عنادا، وأن الاستمرار في النضال ليس مغامرة، بل وفاء لقسم مهنيّ عميق: الدفاع عن الحق، مهما كان الثمن.،لأن القاعدة التي يقررها التاريخ بأن:“من يملك قضية عادلة، ويصبر عليها، لا بد أن ينتصر.”
هكذا علمنا التاريخ، وهكذا علمتنا المحاماة.
الاستاذ خالد الغريص محام بهيئة اكادير كلميم و العيون.
