بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾
أعاد تصريح القيادي في جبهة البوليساريو، أبي بشرايا، الذي بثّته قناة فرانس 24، خلط الأوراق داخل ملف الصحراء المغربية، لا من حيث مضمونه فقط، بل من حيث دلالاته العميقة التي كشفت ما ظل يُدار في الكواليس لعقود طويلة. فقد خرج الرجل، هذه المرة، عن الخطاب الإنشائي المعتاد، ليقدّم اعترافًا سياسيًا صريحًا يُسقط جوهر السردية التي تأسست عليها الجبهة.
حين يقول أبي بشرايا إن فرض أو قبول الحكم الذاتي قد يدفع المغرب إلى المطالبة بأراضٍ أخرى “يعتبرها تاريخيًا مغربية”، فإنه لا يتحدث بلسان “مدافع عن تقرير المصير”، بل بلسان حارس جيوسياسي لمصالح إقليمية جزائرية تخشى تحوّلًا استراتيجيًا في موازين القوة المغاربية.
- من خطاب التحرير إلى منطق الاحتواء
هذا التصريح لا يمكن عزله عن سياقه الحقيقي. فبدل أن يركّز على “حقوق الصحراويين” أو مستقبلهم السياسي والاجتماعي، انتقل الخطاب فجأة إلى التخويف من المغرب ومن تاريخه ووحدته الترابية. وهنا يكمن جوهر التحول: لم تعد البوليساريو تقدّم نفسها كفاعل من أجل سكان الصحراء، بل كأداة لمنع المغرب من استعادة كامل عمقه التاريخي والجغرافي.
الأخطر في هذا الاعتراف أنه يوجّه رسالته الأساسية إلى الجزائر، لا إلى الرباط. فمضمون التصريح هو: نحن هنا لنمنع المغرب من التقدّم، لا لنبني كيانًا مستقلًا. وبذلك تتحوّل الجبهة من “حركة تحرر” كما يُسوَّق لها إلى آلية ردع إقليمي تُستعمل لتطويق المغرب سياسيًا واستراتيجيًا.
- سقوط القناع الإيديولوجي
لقد دأبت البوليساريو، بدعم جزائري واضح، على تقديم نفسها كصوت “الشرعية الدولية” و”حق تقرير المصير”. غير أن هذا الخطاب يتهاوى بمجرد الاعتراف بأن الخوف الحقيقي ليس على الصحراويين، بل على الجزائر من “مطالب تاريخية” محتملة.
إنه اعتراف ضمني، بل صريح، بأن الصراع لم يكن يومًا إنسانيًا أو حقوقيًا بقدر ما هو صراع نفوذ إقليمي. وهذا ما يفسّر استمرار الأزمة لعقود، رغم تغيّر السياقات الدولية، وتقدّم الحلول الواقعية، وعلى رأسها مبادرة الحكم الذاتي المغربية التي حظيت بدعم دولي واسع واعتُبرت حلًا جديًا وذا مصداقية.
- من يمثل الصحراويين فعلًا؟
بعد هذا التصريح، لم يعد السؤال المطروح هو: هل الحكم الذاتي حل مناسب؟
بل أصبح السؤال الجوهري: من يمثّل فعلًا مصالح سكان الصحراء المغربية؟
هل هو المغرب، الذي استثمر في التنمية، والبنية التحتية، والحقوق السياسية والاقتصادية، وأشرك المنتخبين الصحراويين في تدبير شؤونهم؟
أم جبهة تعترف، دون مواربة، بأن وجودها مرتبط بمنع المغرب من استكمال وحدته الترابية؟
- لحظة الحقيقة
ما قاله أبي بشرايا لم يكن زلة لسان عابرة، بل لحظة كاشفة سقط فيها القناع نهائيًا. لحظة أظهرت أن “الباطل”، مهما طال عمره، يبقى زهوقًا، وأن الحقيقة، مهما حوصرت، لا بد أن تظهر.
لقد ظهر الحق… وزهق الباطل.
وما بعد هذا التصريح، لن يكون كما قبله.
