تمهيد:
حتى لو لم نكن خبراء في التكنولوجيا، فمن المحتمل أنك سمعت أو قرأت عن بعض التطورات الحديثة للذكاء مجالات الإبداع البشري.
وربما يكون فن الذكاء الاصطناعي موضوعا ساخنا لأن الإبداع هو أحد أكثر المواضيع تميزا فدافع فالإنسان للتعبير عن نفسه من خلال الفن أقدم من الإنسان نفسه في العصر الحديث. على سبيل المثال، وجد علماء الآثار منحوتات عمرها 500000 سنة يعتقدون أنها من عمل الإنسان المنتصب، وهو جيل السلف لكل من الإنسان البدائي والبشر.
إذا كان الإبداع يسبق البشر، فهل من الممكن أن يتجاوزنا؟ هل يمهد انتشار الذكاء الاصطناعي الطريق بالفعل للخطوة التالية من التطور؟
1- الإبداع بين الفعل البشري والذكاء الإصطناعي:
على مدى عقود، ساهم الفن والثقافة في ترسيخ الخيال حول الدور “المظلم” للذكاء الاصطناعي. ففي المجتمعات التي صورتها أفلام مثل متروبوليس وعام 2001: أوديسا الفضاء أوسلسلة أفلام المصفوفة، كان دور أنظمة الذكاء الاصطناعي يتمثل في السيطرة على البشر. وفي الآونة الأخيرة ظهرت مخاوف من أن الذكاء الاصطناعي سيتفوق يوما ما على البشر العاديين.
تاريخ الفن منذ أطواره البدائية كان مرتبطا بالإبداع البشري وبقي على هذه الآلية في الإنتاج إلى نهاية القرن العشرين، لكن مع تطور الذكاء الاصطناعي خلال العقدين الماضيين بشكل متسارع، بدأت تبرز آفاق جديدة، أثارت العديد من التساؤلات فعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي في بداياته كان ينظر إليه باعتباره أداة مساعدة لا أكثر، إلاَ أن التطور السريع في التقنيات جعل من الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد أداة. وأصبح قادرا على خلق أعمال فنية كاملة، من الرسومات التشكيلية إلى الألحان الموسيقية وصولا إلى الكتابة الأدبية، حتى أن الفنانين بدأوا في استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مبتكر لتوسيع حدود التعبير الفني والذهاب به نحو آفاق بعيدة.
فمن خلال البرمجيات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، يمكن للفنانين إنشاء أعمال فنية غير تقليدية ومفاجئة تجمع بين الإبداع البشري والقدرة الحسابية للذكاء الاصطناعي. غير أنه وفي السنوات الأخيرة، تم تطوير برامج قادرة على إنشاء رسومات، موسيقى، وحتى أفلام قصيرة بالكامل تم عرضها في معارض فنية حول العالم. وهنا نتساءل: هل يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي «فنانا» مستقلا بحد ذاته؟ الإجابة على هذا السؤال تتباين بين مؤيد ومعارض. فالبعض يرى أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه تحقيق «الإبداع» الحقيقي بقدر ما هو مجرد محاكاة للأنماط الإبداعية التي تعلمها من البشر، بينما يرى آخرون أن هذه التكنولوجيا قادرة على تقديم أشكال جديدة من الفن تفتح أفقا جديدا للإبداع.
يقاوم العديد من الفنانين ومؤرخي الفن رؤية العمل الذي تـم إنشاؤه باستخدام الذكاء الاصطناعي على أنه فن، لأن تعريف الفن يعتمد على شخصية الفنان باعتباره المكان الوحيد لإبداع الفن. فشخصية الفنان ضرورية لتعريف الفن.
فالفن من حيث كونه إبداعا يعد عملية فريدة نابعة من القدرة البشرية على التفكير والتخيل والابتكار. أن أكاديمية الفنون الجميلة وعددا من الكتاب والفنانين رفضوا تصنيف التصوير الفوتوغرافي يوم ظهر للمرة الأولى في فرنسا في خانة الفنون الجميلة، لذا لم يظهر الاهتمام بالصورة الفوتوغرافية والاعتراف بها كفن من الفنون إلا في وقت متأخر نسبيا فخلال النصف الأول من القرن الـ 20، وبفضل السوريالية جزئياً، دخل التصوير الفوتوغرافي شيئاً فشيئاً في المجال الفني مدعوما بتبريرات نظرية وجمالية.
ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، تثار تساؤلات حول ما إذا كان يمكن للآلات أن تكون “مبدعة” حقا، أم أنها ببساطة قادرة على محاكاة الإبداع البشري. فإن الذكاء والإبداع البشري ليس مجرد قدرات حسابية، بل هو أيضا قدرات نفسية عاطفية وعلاقات اجتماعية. الإبداع عملية ذاتية معقدة فهي شعورية حينا ولا شعورية حينا آخر، حسب سياقات اجتماعية وسيكولوجية معينة. وهو ما لا يمكن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي أن تتعلمه أو تتدرب على آلية عمله فضلًا عن أن تحيط به.
الذكاء الإصطناعي مهما بلغت قدراته في المعالجة والتحليل فإنه لا يمتلك القدرة على تدريب نفسه بصورة ذاتية خالصة، بل يعتمد اعتمادا كليا على البيانات الضخمة التي يغذى بها مسبقا، مما يجعله أسيرا لمحدودية تلك البيانات وانحيازاتها.
قد تحتوي تغريدة على كلام عنصري مهين في الظاهر؛ ومن ثم تشفره الآلة على أنه «كلام سلبي» من حيث الدلالة، وهو ليس مهينا في حقيقته. وقد يحكم إنسان حينما يقرأ التغريدة أن المصطلح المستخدم (في هذه الحالة) علامة إيجابية بالنسبة إلى هوية جماعة، أو أنه وصف محايد.
2-الذكاء الصناعي ومجال الإبدع الأدبي:
الذكاء الاصطناعي في المجال الأدبي هو مجموعة من التقنيات المستجدة التي تحاول أن تحاكي وتنافس القدرات العقلية البشرية، وذلك فيما يخص طريقة عملها في تحرير وانتاج محتوى أدبي عن طريق مجموعة من الخوارزميات التي تقوم بجمع مختلف المعلومات دون أي تدخل من البشر، حيث تعتمد في ذلك على الخصائص المتواجدة في البرامج الحاسوبية، ما جعل العالم يتجه -في يومنا هذا- وبقوة إلى ما يعرف بالروبوت الأديب، والذي يستند على تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتويات أدبية بعيدا عن العامل البشري. غير أنه وجد جدل بين الدارسين حول ما إذا كان بإمكان الآلة أن تتمكن من فهم كل ذلك الثراء الموجود في اللغة ضمن مختلف السياقات خاصة إذا تعلق الأمر بالأشعار والاستعارات والفكاهة. يقول كثيرون إنه لن يتمكّن نظام غير بشري من إتقانها إتقانا تاما.
إن فهم الذكاء الاصطناعي للغة الطبيعية يتم بشكل خالي من العواطف، وبالتالي فإن الآلي لن يكون قادرا على كتابة قصص يتخطى ثراؤها المستوى البيروقراطي (قوة التنظيم وصرامته).
فالعقل البشري له ميزة متفردة تتمثل في التعاطف وفهم السياقات الثقافية المعقدة، متفوقة على خوارزميات الذكاء الاصطناعي. فالأدب عاطفة وخيال معبر عنها بلغة رفيعة قد تكون رمزية وإيحائية فكيف يمكن للروبوت الآلي مجاراة ذلك؟
الذكاء الاصطناعي ليس أكثر من آلة حسابية ضخمة، تمتلك قدرة عالية على المعالجة اللغوية وإعادة التركيب النصي، لكنها تفتقر إلى وعي المعنى، الذي لا يتحقق بمجرد امتلاك قاعدة بيانات ضخمة أو قدرة خوارزمية على تنظيم المفردات، بل ينبثق من تجربة وجودية شعورية، لا سبيل لمحاكاتها تقنيا.
فالنصوص التي تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي تنتمي إلى مستوى شكلي من الأداء، تتقن التركيب البنيوي للنص، لكنها تظل عاجزة عن إدراك العمق الرمزي أو التاريخي أو التأويلي الذي يميز النص البشري، فهي نصوص تحاكي ولا تبدع، تولف ولا تنتج، تدور في محيط النصوص السابقة، ولا تنبثق من ذات مبدعة حرة.
3-الإبداع: إرادة وحرية:
نحن مبدعون بإرادتنا الحرة. لم يقم السادة (مونيه وباخ وهمنغواي) بإنشاء أعمالهم لأن أحدهم طلب منهم ذلك. لقد ابتكروا عملهم لأنهم شعروا بالحاجة إلى التعبير عن أنفسهم. وعلى الرغم من مستوى قدراتهم المعروفة لم تقم أي من تقنيات الذكاء الاصطناعي حتى الآن بإنشاء قطعة فنية بمحض إرادتها. هذه البرامج التي ترسم وتكتب وتؤلف لأن البشر برمجوها للقيام بذلك. هذا هو السبب في أنه من المبالغة وصفهم بأنهم مبدعون بالمعنى الحرفي. بعد كل شيء، فإن الإبداع البشري هو الذي صنعهم في المقام الأول. إلى أن يتعلموا القيام بذلك بوعي وبهدف، فإنهم يظلون أدوات إبداعية بدلا من أن يكونوا هم أنفسهم وكلاء مبدعين.
هل يجب أن نحكم على العمل الفني من خلال تقنيته أم من خلال رسالته وتأثيره؟
إن الإبداع لا يختزل في سرعة الإنتاج أو القدرة على التنظيم، بل يتطلب مخاضا فكريا وشعوريا لا يمكن تقليده أو استنساخه. وبهذا المعنى فإن الذكاء الاصطناعي ليس مؤهلا لأن يكون قسيما إبداعيا للإنسان، بل هو -في أحسن حالاته- مساعد تقني لا يستغني عن قيادة الإنسان وتوجيهه.
ميما بلغت قوة الذكاء الاصطناعي إلا أنها تبقى مجرد نسبة ضئيلة أمام الذكاء البشري الذي اخترعها، لأنها في الأساس مجرد محاولات من الانسان نفسه لتقليد ذكاءه الغير محدود، لأنه طالما كان للعلماء في ميدان الذكاء الاصطناعي حلم اختراع روبوت ذكي قادر على الخوض في مجال الأدب والفن والكتابة.
خاتمة:
في المحصلة، يمكن القول إن تأثير الذكاء الاصطناعي على الفنون والإبداع هو موضوع معقد يتطلب تفكيرا عميقا ونقاشا مستمرا. بينما يقدم فرصا جديدة للفنانين ويوسع من إمكانيات الإبداع، فإنه يثير أيضا تساؤلات جوهرية حول طبيعة الفن ودور الإنسان في عملية الإبداع. ومع مرور الوقت، من المؤكد أننا سنشهد المزيد من التطورات في هذا المجال، ما سيشكل مستقبل الفنون والإبداع بطريقة لم تكن متوقعة من قبل.
المراجع:
1- الذكاء الاصطناعي: مقدمة قصيرة جدا مارجريت إيه بودين ترجمة إبراهيم سند أحمد مراجعة هاني فتحي سليمان مؤسسة هنداوي https://www.hindawi.org/books/48149074/
2- مارلين كنعان أستاذة الفلسفة والحضارات: الذكاء الاصطناعي لن يشكل خطرا على الفنون والآداب ، الإندبندت العربية: الجمعة 11 أبريل 2025 13:45.
3- مجلة طبنـــة للدراسات العلمية الأكاديمية: الذكاء الاصطناعي والإبداع الفني- نحو أدب يصنعه الروبوت: الكاتب : حمبلي زين العابدين و زواوي لينا
Volume 7, Numéro 2, Pages 1195–1212 ) 2024-12- ( 12
4- كتاب شفرة الابداع: الفن والابتكار في عصر الذكاء الاصطناعي مؤلف الكتاب: السيد ماركوس دو سوتوي ترجمة وبتصرف: عبد الله سلمان العوامي. المصدر: منصة الوميض التجارية Blinkist لتلخيص الكتب.


التعاليق (0)