هذا المقال من رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن توجه .

حين يلقي الماضي خطابًا… ويصفّق له الفراغ”

كُتّاب وآراء

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

في السياسة، هناك خطابات تُصنع للمستقبل، وأخرى تُلقى فقط لإقناع أصحابها بأن الزمن لم يتحرك. أما الخطاب الأخير لزعيم جبهة البوليساريو، فقد بدا أقرب إلى محاولة شحن بطارية جهاز قديم عبر مقبس لم يعد موجودًا أصلًا.
فبدل أن يكون خطاب ذكرى تأسيس مناسبة للمراجعة أو الاعتراف بتغيّر موازين العالم، جاء أشبه ببرنامج إعادة بثّ لأشرطة سبعينيات القرن الماضي، مع نفس الشعارات، ونفس المفردات، وربما حتى نفس نبرة التفاؤل التي لا يسمعها سوى من اعتاد العيش داخل الصدى.

  • دولة… بحجم بيان صحفي

أبرز ما يثير الانتباه في الخطاب هو الإصرار على الحديث عن “دولة” لا تظهر إلا في البلاغات الرسمية. دولة بلا جغرافيا واضحة، بلا اقتصاد، وبلا مؤسسات تُقاس خارج لغة البيانات. وكأن الواقع لم يعد معيارًا، بل مجرد تفصيل مزعج ينبغي تجاهله.
الخطاب حاول رسم صورة لكيان سياسي قائم، لكن المشهد بدا أقرب إلى عرض ثلاثي الأبعاد بلا شاشة عرض. كل شيء موجود نظريًا… إلا في الواقع.

  • إنكار سياسي بدرجة احترافية

المثير للسخرية ليس الدفاع عن موقف سياسي، فذلك حق مشروع لأي طرف، بل القدرة شبه الأسطورية على تجاهل التحولات الدولية. العالم يتحدث بلغة الحلول الواقعية والتسويات الممكنة، بينما ظل الخطاب يدور حول مفاهيم فقدت بريقها حتى في أرشيف الحرب الباردة.
الإنكار هنا لم يعد مجرد موقف سياسي؛ بل تحول إلى استراتيجية كاملة: إذا لم يعجبك الواقع… تجاهله.

  • انتصارات من ورق مقوّى

اللافت أيضًا هو كثافة الحديث عن “الإنجازات”، وهي إنجازات يصعب العثور عليها خارج النص نفسه. وكأن الخطاب يكتب الواقع بدل أن يصفه. انتصارات تُعلن، مؤسسات تُذكر، ومكاسب تُعدّد، لكنها جميعًا تعيش حياة قصيرة تنتهي عند آخر نقطة في البيان.
هي سياسة تعتمد على قاعدة بسيطة: إذا كررت الشيء بما يكفي، فقد يبدو حقيقيًا… على الأقل لمن يقرأ الخطاب وحده.

  • قطار السياسة لا ينتظر المتأخرين

في المقابل، يتحرك النقاش الدولي نحو حلول عملية وبراغماتية، بينما بدا الخطاب وكأنه يلوّح لقطار غادر المحطة منذ سنوات. المشكلة ليست في التأخر، بل في الإصرار على الاعتقاد بأن القطار ما يزال واقفًا احترامًا للخطيب.
هنا تظهر المفارقة الكبرى: خطاب يتحدث عن المستقبل بلغة الماضي، وعن الواقعية بأدوات رمزية، وعن السلام عبر مفردات الصراع القديمة.

  • رسائل شكر… ونبرة استغاثة

حتى فقرات الشكر الدبلوماسي حملت شيئًا من التناقض؛ فهي بدت أقل شكرًا وأكثر تذكيرًا بالحاجة إلى الدعم. وكأن الخطاب لم يكن موجّهًا للجمهور بقدر ما كان رسالة طمأنة للحلفاء بأن المشروع ما يزال “قيد التشغيل”، رغم أن لوحة التحكم تُظهر أضواء التحذير كلها

  • خاتمة احتفال أم تأبين؟

في النهاية، لم يبدُ الخطاب احتفالًا بذكرى تأسيس، بل أقرب إلى حفل تأبين سياسي مؤجل. كلمات كثيرة، حماسة لغوية، واستدعاء مستمر لزمن لم يعد موجودًا.
وربما تكمن السخرية الكبرى هنا: حين يصبح الخطاب نفسه الدليل الأوضح على أن الأزمة لم تعد في موازين القوى… بل في القدرة على قراءة السا، عة. لأن السياسة، مثل الزمن، لا تنتظر من يصرّ على العيش خارجها.
وفي خلفية المشهد، تبدو “الفزاعة” التي ظلّ النظام الجزائري يلوّح بها لعقود وكأنها تفقد قدرتها على الإخافة، بعدما استهلكتها التحولات الإقليمية وتجاوزها منطق المصالح الدولية الجديدة. منظومة كاملة بُنيت على سردية الصراع تجد نفسها اليوم أمام واقع يتآكل بهدوء، حيث تتساقط الشعارات الواحد تلو الآخر، وتتحول الخطابات العالية إلى مجرد صدى بعيد لا يغيّر مسار الأحداث.
ومع تراجع وهج الوهم، لم يعد السؤال من سينتصر، بل من سيعترف أولًا بأن اللعبة انتهت وأن المسرح بدأ يُطفئ أضواءه. وهنا تتجلى الصورة الأكثر سخرية: “زعيم” يواصل الخطابة بثقة، بينما التاريخ، دون ضجيج، يغادر القاعة.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً