بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
مع حلول شهر رمضان، يفترض أن تسود قيم الصبر، الرحمة، والتسامح. غير أن واقع الشارع في عدد من المدن المغربية يكشف مفارقة لافتة: توتر زائد، مشادات كلامية، وغلظة في التعامل، خصوصًا في الفضاءات العمومية كالحافلات، الإدارات، والأسواق. هذه الظاهرة التي باتت تُعرف شعبيًا بـ”الترمضنة” تطرح سؤالًا جوهريًا: هل الصيام سبب في تدهور السلوك، أم أن الأمر أعمق من ذلك؟
- مشاهد يومية… والضحية مواطن بسيط
قصص كثيرة تتكرر كل يوم. مواطن يسأل عن توقيت حافلة فلا يتلقى جوابًا لائقًا. سيدة مسنة تستفسر عن خطٍّ معين فتُقابل بوجه مكفهر وكلمات مقتضبة. ركاب ينتظرون قبيل المغرب، والجو مشحون، وكأن السؤال جريمة. في بعض الحالات، يتحول رجل المراقبة أو الموظف من مؤتمن على خدمة الناس إلى سلطة متجهمة تتعامل بفوقية، خاصة مع كبار السن والنساء.
هذه السلوكيات لا تعكس فقط خللًا فرديًا، بل تكشف أزمة في ثقافة الخدمة العمومية. فالمواطن الذي يؤدي ثمن التذكرة أو الضريبة لا يطلب صدقة، بل حقًا مشروعًا في معاملة كريمة.
- هل الصيام شماعة جاهزة؟
يرى البعض أن الامتناع عن الطعام والشراب لساعات طويلة يولد توترًا عصبيًا، خاصة لدى المدخنين أو من يعانون من الإدمان. غير أن اختزال الظاهرة في البعد البيولوجي وحده تبسيط مخلّ. فالصيام في جوهره مدرسة أخلاقية، غايته تهذيب النفس لا إطلاق العنان لغضبها.
ثم إن مجتمعات إسلامية أخرى تعيش أجواء رمضان بانضباط لافت، بل يتحول الشهر إلى موسم للتطوع والتكافل. فكيف نفسر الفارق؟ الجواب قد يكمن في تراكمات اجتماعية أعمق: ضغط اقتصادي، ضعف التربية على المواطنة، غياب التكوين في مهارات التواصل، وانعدام آليات فعالة للمحاسبة.
- أزمة احترام قبل أن تكون أزمة صيام
الترمضنة ليست سوى عرض لمرض أكبر: تراجع قيمة الاحترام في الفضاء العام. حين يتحول الشارع إلى ما يشبه “قانون الأقوى”، وحين يظن البعض أن رفع الصوت أو “التخنزير” دليل هيبة، فإننا أمام خلل في منظومة القيم. والغريب أن كثيرين ممن يظهرون شراسة في الشارع سرعان ما يتراجعون حين تُفعل المساءلة القانونية. ما يعني أن السلوك العدواني ليس شجاعة، بل استعراض هشّ يختفي أمام سلطة القانون.
- المسؤولية مشتركة
لا يمكن إعفاء المؤسسات من دورها. فالتكوين المستمر للعاملين في النقل والخدمات العمومية في مجال التواصل وإدارة الضغط أصبح ضرورة، لا ترفًا. كما أن تحديد أوقات العمل بوضوح، وتوفير معلومات دقيقة للمواطنين، يقلص من الاحتكاك وسوء الفهم.
في المقابل، يتحمل الأفراد مسؤولية تهذيب سلوكهم. الصائم الذي يضبط غضبه يحقق جوهر الصيام. والموظف الذي يعين مسنًا على الصعود إلى الحافلة يجسد المعنى الحقيقي للتكافل. والراكب الذي يعتذر عند الخطأ يساهم في تخفيف الاحتقان.
- رمضان فرصة للمراجعة
بدل أن يكون رمضان مبررًا للانفعال، يمكن أن يتحول إلى فرصة لإعادة الاعتبار لقيم اللطف والرحمة في الفضاء العام. فالمعاملة الحسنة لا تكلف شيئًا، لكنها تصنع فارقًا كبيرًا في يوم مواطن بسيط ينتظر حافلة أو يسأل عن معلومة.
الترمضنة ليست قدرًا محتومًا، بل سلوك قابل للتغيير. وما بين صائم يضبط نفسه، وموظف يؤدي عمله بضمير، ومواطن يحترم غيره، يمكن للشارع أن يستعيد إنسانيته… في رمضان، وخارجه أيضًا.
