إد الطالب سالم… بلدة الربيع والطبيعة وذاكرة العلم لقبيلة آيت ياسين بقلب الأخصاص

أكادير والجهات

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

مع حلول فصل الربيع، تستعيد بلدة إد الطالب سالم إد ياسين، الواقعة بمنطقة الأخصاص الجنوبية ، بريقها الطبيعي وروحها الهادئة. فبعد مواسم اتسمت بالجفاف وبرودة الأرض، تعود الطبيعة لتبسط بساطها الأخضر على التلال والسهول، وتتحول الحقول والجبال إلى لوحات طبيعية نابضة بالحياة.
في هذا الفصل، تكتسي المساحات المحيطة بالبلدة حلة خضراء زاهية، حيث تنتعش الأعشاب البرية وتزدهر النباتات المحلية، فتضفي على المكان منظراً يبعث الطمأنينة في النفوس. ويجد سكان البلدة في هذا الموسم فرصة متجددة للارتباط بالطبيعة التي ظلت على الدوام جزءاً أساسياً من نمط حياتهم وثقافتهم الزراعية.
ويأتي هذا الانتعاش الطبيعي في سياق سنة فلاحية متميزة شهدتها مختلف مناطق المملكة، بفضل التساقطات المطرية المهمة التي أعادت الحياة إلى الأرض وأنعشت آمال الفلاحين. ولم تكن منطقة الأخصاص بمنأى عن هذا التحول، حيث أسهمت الأمطار الأخيرة في إحياء التربة والمراعي، فعادت الخضرة لتغطي المجال وتبشر بموسم فلاحي واعد.
ومن أبرز مظاهر هذا التحول عودة الحياة إلى أشجار الأركان، التي تعد رمزاً بيئياً واقتصادياً أصيلاً للمنطقة. فبعد أن بدت خلال فترات الجفاف وكأنها فقدت قدرتها على العطاء، ها هي اليوم تستعيد اخضرارها ونضارتها، في مشهد يعكس قوة الطبيعة وقدرتها الدائمة على التجدد. وتظل شجرة الأركان مصدر اعتزاز لدى سكان المنطقة، لما توفره من مورد اقتصادي مهم، إضافة إلى دورها في الحفاظ على التوازن البيئي.
كما يشهد هذا الموسم أيضاً انتعاش خلايا النحل المنتشرة في محيط البلدة، حيث تنشط أسراب النحل مع تفتح الأزهار البرية وتنوع الغطاء النباتي الذي يميز المنطقة خلال الربيع. ويعد هذا النشاط مؤشراً على حيوية البيئة المحلية وتوازنها الطبيعي، كما يشكل مورداً اقتصادياً إضافياً لبعض الأسر التي تعتمد على تربية النحل وإنتاج العسل البلدي المعروف بجودته ونكهته المميزة المستمدة من أعشاب الجبال ومراعي الأركان.
غير أن جمال إد الطالب سالم إد ياسين لا يقتصر على طبيعتها الخلابة، بل يمتد أيضاً إلى تاريخها العريق وإشعاعها العلمي والروحي داخل المنطقة. فقد ارتبط اسم الدوار بأسرة علمية عُرفت بالعلم والتدريس وخدمة القرآن الكريم، يتقدمها الطالب سالم الياسيني بن محمد بن الحسن بن سالم بن ياسين، الذي يُنسب إليه تأسيس هذا الدوار، حيث جعله فضاءً للعلم والتربية الروحية.
وعلى مدى سنوات طويلة، تخرج على يديه وعلى يد خلفائه عدد من الطلبة وحفظة القرآن، وظلت البلدة محطة يقصدها طلاب العلم والباحثون عن المعرفة الدينية. ويندرج هذا الإرث ضمن تقليد علمي عريق اشتهرت به قبائل الجنوب المغربي، حيث امتزجت الحياة الفلاحية بالتعليم الديني والتصوف وخدمة القرآن الكريم.
وترتبط جذورأبناء هذه البلدة بقبيلة آيت ياسين العريقة، التي تعد من القبائل المعروفة في جنوب المغرب بتاريخها المشرف وروحها الوطنية الصادقة ووفائها الدائم للعرش العلوي المجيد. وقد لعبت هذه القبيلة أدواراً مهمة في محطات من تاريخ البلاد، إذ اعتمد عليها السلاطين السعديون في فترات من التاريخ للمساهمة في تحرير عدد من المناطق التي كانت خاضعة للاحتلال البرتغالي، حيث عُرف رجالها بالفقه و الشجاعة والبسالة والدفاع عن الأرض والدين.
ولا يزال هذا الإرث التاريخي مصدر اعتزاز وفخر لأبناء المنطقة، الذين يحرصون على صون قيم الانتماء والوفاء التي ورثوها عن أجدادهم.
ومع اعتدال الطقس وجمال الطبيعة في فصل الربيع، تعود الحياة الاجتماعية إلى الانتعاش في البلدة، حيث يحرص العديد من أبنائها المقيمين في المدن على العودة إليها خلال العطل ونهايات الأسبوع، لزيارة الأهل واستعادة ذكريات الطفولة والارتباط بالمكان الذي يشكل جزءاً من هويتهم وذاكرتهم الجماعية.
ويؤكد سكان البلدة أن الربيع لا يجلب معه الجمال الطبيعي فحسب، بل ينعش أيضاً روح التفاؤل والعمل في نفوس الناس، إذ تعود الأنشطة الفلاحية إلى الواجهة، وتدب الحياة من جديد في المراعي والحقول.
وهكذا تظل بلدة إد الطالب سالم إد ياسين، بما تختزنه من جمال طبيعي وعمق تاريخي وإشعاع علمي، نموذجاً حياً للتناغم بين الإنسان والأرض والذاكرة. ومع كل ربيع جديد، يتجدد الأمل وتزداد الأرض اخضراراً، لتبقى هذه البلدة شاهدة على روعة الطبيعة وثراء الذاكرة الحضارية في جنوب المغرب.