أكادير : الذكرى التي مرت دون أن تلتفت إليها المدينة

أكادير والجهات

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

تمر هذه السنة الذكرى السادسة والستون للزلزال الذي غيّر وجه مدينة إلى الأبد، غير أن هذه المناسبة مرت في صمت شبه تام، وكأن الذاكرة الجماعية بدأت تفقد أحد أهم فصولها التاريخية. وبين غياب المبادرات الرسمية وضعف الاهتمام الإعلامي، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل بدأت المدينة تنسى الدرس الذي كُتب بآلام آلاف الضحايا؟
في ليلة مأساوية من تاريخ ، تحولت أكادير في دقائق معدودة إلى ركام، وفقدت آلاف الأسر أبناءها وبيوتها وأحلامها. لم يكن الحدث مجرد كارثة طبيعية، بل لحظة مفصلية أعادت التفكير في مفهوم التعمير والسلامة والبناء في البلاد. ومن رحم الألم، ولدت مدينة جديدة أعيد تشييدها بإرادة وطنية قوية قادها آنذاك الملك الراحل السلطان محمدالخامس و بعده الملكالحسن الثاني ، الذين جعلا إعادة إعمار أكادير مشروعاً وطنياً وإنسانياً.
غير أن مرور الزمن، كما يبدو اليوم، بدأ يُضعف حضور هذه الذاكرة في الوعي العام، خصوصاً لدى الأجيال الجديدة التي لم تعد تسمع عن الزلزال إلا بشكل عابر. فلا متاحف كافية تعرف بالتاريخ، ولا برامج تربوية مستمرة تُحيي الذكرى، ولا فضاءات عمومية تستحضر أسماء الضحايا وقصص الناجين كما ينبغي.
إن إحياء الذكرى ليس مجرد وقوف رمزي أو خطاب عاطفي، بل هو واجب مدني وثقافي. فالمدن التي تنسى مآسيها تفقد جزءاً من هويتها، وتخاطر بتكرار أخطائها. وفي منطقة التي تعرف توسعاً عمرانياً متسارعاً، يصبح استحضار دروس الماضي ضرورة لضمان احترام معايير السلامة والتخطيط الحضري المسؤول.
إن المسؤولية اليوم لا تقع فقط على المؤسسات، بل أيضاً على الأكاديريين أنفسهم: على الجمعيات، والمدارس، والمثقفين، والإعلام المحلي. فالذاكرة الحية تُبنى بالمبادرات الصغيرة قبل القرارات الكبرى. يمكن أن تبدأ بندوة، أو شهادة ناجٍ، أو زيارة مدرسية لمواقع تاريخية، أو حتى حديث عائلي يروي للأبناء ما حدث كي لا يتحول الماضي إلى مجرد رقم في كتاب.
وفي ختام هذه الذكرى، لا يسعنا إلا أن نقف بخشوع ترحماً على الأرواح الطاهرة التي فقدت حياتها في تلك الفاجعة الأليمة، سائلين الله أن يتغمدهم بواسع رحمته. كما نستحضر بكل تقدير وإجلال روح السلطان الراحل الذي أطلق ورش إعادة إعمار المدينة، ونجله الملك الراحل الذي واصل البناء وأرسى معالم مدينة الانبعاث، طيب الله ثراهما، وجعل ما قدماه في ميزان حسناتهما، لتبقى أكادير شاهدة على أن المدن يمكن أن تنهض من الألم، لكن الذاكرة هي التي تمنحها روحها.