” تـأملات حول موضوع إقالة أعضاء مجالس الجماعات “

أكادير24

 

أثارتني الطعون التي رفعها عدد من أعضاء جماعة قروية بإقليم تارودانت أمام المحكمة الإدارية بأكادير لإلغاء قرارات إقالتهم  من عضوية  مجلس جماعتهم على أساس أنهم تغيبوا عن دورات نفس الجماعة خلال عدة دورات بدون عذر فضولا قانونيا يستحق الإثارة .

لن اتناول في هذه  المناقشة قيمة حضور عضو مجلس الجماعة لدورات المجلس من الناحية السياسية و الإدارية من منطلق استحضار أن هذا الحضور هو من أسباب نزول و الغاية التي انتخب من أجلها العضو أو من الناحية القانونية من كون هذا الحضور إلزامي وفق ما قررته المادة  67 من القانون التنظيمي للجماعات وما يمثلها من مواد قانون مجالس العمالات ثم الجهات .

غير أنني سوف أعرج في عجالة على حيثيات هامة بالأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية بأكادير في نفس النقطة لأهميتها فيما له علاقة بما تدعي هذه المداخلة مقاربته  وهي تناقش موضوع النزاع من كل نواحيه مستحضرة الحيز الزمني لهذا الغياب بما يعني ان ذات المحكمة تعتبره غيابا طويلا ما دام أن  يستغرق سنة متواصلة أو متقطعة بما تنتفي معه ممارسة عضو المجلس ممارسة الصلاحيات و الادوار التي أناطه بها المشرع مخالفا بذلك قواعد الحكامة المنصوص عليها في المادة 270  من القانون التنظيمي رقم 113.14 الناصة على ما يلي  :

  • – يتعين على مجلس الجماعة ورئيسه والهيئات التابعة للجماعة ومؤسسات التعاون بين الجماعات ومجموعات الجماعات الترابية التقيد بقواعد الحكامة المنصوص عليها في المادة 269 ولهذه الغاية، تتخذ الاجراءات اللازمة من أجل ضمان احترام :
  • – مقتضيات النظام الداخلي للمجلس؛
  • – التداول خلال جلسات المجلس بكيفية ديمقراطية؛
  • – حضور ومشاركة الأعضاء، بصفة منتظمة، في مداولات المجلس؛
  • – شفافية مداولات المجلس؛
  • – آليات الديمقراطية التشاركية ؛
  • – المقتضيات المتعلقة بوضع الميزانية والتصويت عليها وتنفيذها؛
  • – المقتضيات المنظمة للصفقات ؛
  • – القواعد والشروط المتعلقة بولوج الوظائف بإدارة الجماعة والهيئات التابعة لها ومؤسسات التعاون بين الجماعات ومجموعات الجماعات الترابية؛
  • – القواعد المتعلقة بربط المسؤولية بالمحاسبة ؛
  • – عدم استغلال التسريبات المخلة بالمنافسة النزيهة ؛
  • – التصريح بالممتلكات ؛
  • – عدم تنازع المصالح؛
  • – عدم استغلال مواقع النفوذ.

 

والمحكمة انصرفت أيضا إلى أن تدخل القاضي الإداري في هذا الباب يستهدف بسط رقابته على المقررات الصادرة عن رؤساء الجماعات لضمان التجرد و الحياد أثناء البث في المخالفات المنسوبة لأعضاء  المجلس خصوصا وأن الانحياز و التعسف قد يصاحبها لاختلاف الانتماء الحزبي لأعضاء المجالس مؤكدا أن هذه الرقابة تستهدف التحقق من الوجود المادي للمخالفات المنسوبة إلى عضو مجلس الجماعة كالغياب و عدم قيامه بالمهام المنوطة وخلافهما .

كل هذه المبادئ  القضائية  تعتبر  ضمانات هامة للناخبين والمنتخبين  على حد سواء

غير  أن القضاء و إن كان يتمتع بهذه الصلاحيات فإن عضو المجلس بحاجة إلى ضمانات قانونية أخرى أثناء  اتخاد قرار عزله  وهو ما سوف اتناوله قياسا على نازلة الحال  بتفكيك مقتضيات المادة 67من القانون التنظيمي للجماعات التي ورد فيها ما يلي:

يعتبر حضور أعضاء مجلس الجماعة دورات المجلس إجباريا .

كل عضو من أعضاء مجلس الجماعة لم يلب الاستدعاء لحضور ثلاث دورات متتالية أو في خمس دورات متقطعة دون مبرر يقبله المجلس ، يعتبر مقالا بحكم القانون و يجتمع المجلس لمعاينة هذه الإقالة”

 

 

  • في النوازل التي عرضت على المحكمة الإدارية كان الأعضاء الذين اتخذ في حقهم مقرر العزل من فريق المعارضة بالمجلس.
  • كان نفس المجلس قد ضمن في محاضر دوراته السابقة كون غياب الاعضاء المذكورين كان بعذر.
  • لما أدرجت نقطة معاينة إقالة الأعضاء المذكورين من عضوية المجلس ضمن جدول أعمال نفس الدورة تناول الكلمة في هذه النقطة رئيس الجماعة فأدرج مقرر المجلس بصلب نفس المحضر كون المجلس قد عاين إقالة الاعضاء المذكورين.

و على الرغم من الحائل القانوني الذي كان يوجب إدراج هذه النقطة بجدول أعمال تلك الدورة ما دام أن نفس  المجلس كان في دوراته السابقة قد  شهد بكون غياب الأعضاء المذكورين كان بعذر فإن الإشكال يثور حول ماهية وكيفية معاينة المجلس لإقالة العضو المتغيب عن دورات المجلس.

الجواب سهلا إذا كان عضوا المجلس متغيب عن دورات المجلس بدون عذر لثلاثة دورات متوالية أو خمس دورات متقطعة وكانت هذه الوقائع ثابتة و مضمنة بمحاضر دورات المجلس فإن هذا  الأخير يتخذ مقرره بكل سهولة .

غير أن الإشكال يثور إذا كان النزاع قائما بخصوص هذه النقطة فما هي ضمانات عضو المجلس المواجه بهذا الجزاء القاسي :

أشار الحكم الإداري إلى احدى هذه الضمانات كون عضو المجلس يمكن أن يبرر غيابه في أي وقت و لو بعد انقضاء اشغال نفس الدورات التي تغيب فيها  أو خلال الدورة التي أدرجت فيها نقطة إقالته وهي ضمانة مهمة غير محددة في الزمان  وتستمر إلى حين ادراج نفس النقط في الدورة المزمع  اقالته خلالها.

غير أنني أرى أنه تمة ضمانات أخرى تتضمنها نص المادة 67 ضمنيا نطمح  أن يتبناها القضاء في نوازل أخرى تتمثل في الاتي:

الضمانة الأولى : بالرجوع إلى المادة 67 فإن عضو المجلس المرتكب لمخالفة الغياب بدون عذر لا يمكن اتخاد مقرر بإقالته إلا بمقرر يتخذه مجلس الجماعة بما يعني أن رئيس الجماعة لا يمكنه أن يتخذ مقررا فرديا بذلك.

الضمانة الثانية :  نصت المادة 67 على أن المجلس يعاين الإقالة غير أن هذه المعاينة  تستدعي أن يعاين المجلس بداية الأسباب الداعية إلى اتخاذ هذا الجزاء ما دام أن الإقالة هي نتيجة و حكم مبني على وقائع مادية  بمعنى أن المجلس لا بد ان يعاين تحقق الغياب المتكرر بدون عذر ويفحص صحة مبررات هذا الغياب بشكل مادي  تعرضها عليه قبل  أن يتخذ مقرر بالإقالة .

الضمانة الثالثة : و لو أن المشرع لا يمكن أن يوصف بالعبث فإن اجتهاد الفقه و القضاء هما اللذان يستطيعان شرح المقتضيات الغامضة و التي قد يظهر أنها تتناقض مع المبادئ الأساسية التي تحكم المركز القانوني المخاطب به عضو الجماعة  لذلك فإنني أرى أن مصطلح المعاينة الوارد في نص المادة 67 يقتضي أن يوسع المجلس المعاينة للنقاش بخصوص  هذه النقطة لكي يتحقق من شروط المعاينة لغة و اصطلاحا على أساس أن الشخص حينما يعاين شيئا بمعنى أنه شاهده و فحصه و تولى تحديد كل علاماته الظاهرة فكون قناعة بشأنه .

ويقتضي هذا الفحص أن يتولى كل عضو من أعضاء مجلس الجماعة خلاصته و موقفه عقب الفحص و المعاينة التي أجراها للشيء المعاين فينفذ بعد ذلك المجلس  إلى تجميع هذه الخلاصات و عرضها على التصويت اعتمادا على قاعدة اجبارية التصويت على جميع مقررات المجلس بنص المادة 43 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات و التي لم تستثني أي مقرر من هذه القاعدة لضمان صحتها  .

الخلاصة :

إن المشرع مدعوا إلى إخراج النصوص التنظيمية للجماعات و الجهات و مجالس العمالات إلى حيز الوجود بعد مرور أكثر من ثلاثة سنوات من انطلاق  العمل  بالقوانين التنظيمية للجماعات والتي أبانت عن قصور متفاوت لعدد من  المقتضيات ذات الصلة و أن يعالج نص المادة 67 من القانون التنظيمي بإستبدال معاينة المجلس لإقالة المجلس التي توحي بأن للمجلس دور سلبي في هذه النقطة (كونه يكتفي بالمعاينة فقط دون أن يتخذ أي مقرر) بمصطلح أكثر دقة ووضوح مقترحا ما يلي:

” يعتبر مقالا بحكم القانون بعد اتخاد مقررا بذلك من طرف المجلس “

وهذه الصيغة من جهة سوف تضمن احترام قاعدة الدور التداولي للمجلس و عدم استفراد أو تعسف رئيس الجماعة في جر المجلس إلى اتخاد مثل هذا المقرر الانتحاري في حق عضو المجلس.

 

ذ/ نور الدين العلمي –محام بهيئة أكادير وكلميم والعيون

Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: