Agadir24
الجريدة الإلكترونية الأولى في الجنوب

تاكلا-ءيض -ن- يناير أو الاحتفال برأس السنة الأمازيغية.

أكادير24 | Agadir24

 

أصبحت الثقافة الشعبية في العقود الاخيرة حبيسة الدراسات الانتروبولوجية والاثنولوجية، وهذه الاخيرة هي مناهج ونظريات للبحث والحفر في الذاكرة الشعورية واللاشعورية للمجتمعات الاصيلة وثقافة الإنسان القديم، لكن هذه المناهج والنظريات تنظر الى الثقافة الشعبية كصورة للمجتمعات اللا كتابية تفتقر في نظرهم إلى لغة مكتوبة وتنتمي إلى مؤسسات اجتماعية بسيطة التنظيم و محدودة الانتشار و لا تعبر إلا عن أعداد قليلة من الناس، إضافة إلى إنها ثقافة منعزلة عن الثقافات الأخرى، وهذه كلها احكام جاهزة بنتها انطلاقا من نزعة مركزية أوربية نشأت وتطورت مع الحملات الاستعمارية فصاغت به “علما” لعنصريتها وتفوقها الوهمي وتعمل على توظيفه في تدريس تاريخ وقوانين المجتمعات التي “لا ” تاريخ لها أو التي لا تعبر عن نفسها كتابة في حين ان الثقافة الشعبية هي تلك الثقافة المنبثقة من الذاكرة الجماعية وليست حالة من الإبداع الخيالي فقط، بل هي قيمة إنسانية حقيقية واقعية انطلاقا من وظيفتها المميزة القائمة على حماية وصيانة المعتقدات والعادات والقيم والأعراف التي تجسدت في الماضي، وتضم في أحشائها أشكالا من التعبير الفني وغير الفني المروي منه والمجسد المعاش والمستذكر ومن عناصره التي ما تزال تعيش بيننا وتتداول في السوق الرمزية الأشعار والحكايات والأساطير والأمثال والحكم والرقص والاحتفال ….
والثقافة الشعبية الامازيغية كباقي أشكال الثقافات الشعبية للشعوب المماثلة، هي ذات قيمة حضارية و هي أنساق تعبيرية و دلالية تعبر وتحاكي الواقع والطبيعة بوسائل لسنية وغير لسنية مثل الحركات والرقص و الرسم والتشكيل والتمثيل والاحتفال … وهي تشكل بالنسبة للإنسان الامازيغي حاجات روحية وطبيعية، لذا يتم المحافظة على هذه الأشكال التعبيرية بشكل عفوي ومنظم لأنها شبه قوانين رمزية وعرفية تساهم في تنظيم الأفراد و الجماعات وتسايرهم مسايرة تامة ودائمة.

ومن الطقوس والتقاليد الامازيغية التي ماتزال حاضرة وسائدة في مجتمعنا وقبائلنا وبوادينا ومدننا حفلة راس السنة الامازيغية (تاكلا –ن- ءيض ن- يناير)
من زمن الفراعنة بدا التقويم الامازيغي

عرف الامازيغ بحبهم وارتباطهم بالأرض، حتى ان الاساطير والحكايات التي تروى عن الامازيغ القدامى كانت حافلة بأسماء الطبيعة من الارض والهواء والسماء والرطوبة والماء كما انها غنية بالاستعارات والكنايات والصور المجازية عن مشاعر الانسان الامازيغي تجاه ارضه وموطنه واصله وبيئته (اسطورة حمو اونامير) اما الاحتفال براس السنة الامازيغية فما هو الا نظام زمني من صنع البيئة والطبيعة يبتدأ من اول ليلة من السنة الفلاحية (12يناير بالتقويم الميلادي) وتقام فيه حفلة او طقوس احتفالية بتهيئ اكلة من نتاج ما جادت به الارض للإنسان شعيرا كان او ذرة (تاكلا – ءيض –ن- يناير )

ويحمل زمن احياء هذه العادة دلالات رئيسية منها:

الدلالة الاولى : تظهر من خلال ارتباط مكونات هذه العادة بالأرض، حيث يرتبط التقويم الامازيغي ببداية السنة الفلاحية لهذا فالأكلة التي تقدم للأبناء والضيوف في ليلة راس السنة الامازيغية تتركب كلها من المنتوجات الفلاحية والزراعية التي تجود بها الارض والاشجار وكلها لها مغزى (الشعير –الذرة- زيت اركان- الثمر..)وهي مؤشر على امل تحسن الموسم الفلاحي الاتي.

الدلالة الثانية لها ارتباط بتاريخ الأمازيغ الذي يبتدأ مؤقتا حسب المصادر القديمة وخصوصا ما جاء في الكتابات الاغريقية عن اعتلاء “اكليد” شيشونغ العرش في مصر بعد تنحيته لآخر ملوك الاسرة الحادية والعشرين، الا انه حافظ على الولاء للفراعنة سياسيا لكنه مع ذلك شكل امتدادا للحكم الفرعوني الامازيغي.
من الناحية الثقافية اعلن الملك شيشونغ الولاء للإرث الامازيغي فبدا معه التقويم الرسمي للأمازيغ سنة 950 ق.م وبهذا احيي شيشونغ تنصيب نفسه ملكا على عرش مصر في ارض النيل بإحياء تلك الليلة على شرف زعماء القبائل الامازيغية في ذلك الزمان وقدم اكلة (تاكلا)علامة على استمرار الحضارة الامازيغية من خلال عاداتها وطقوس احتفالها براس السنة الامازيغية، ومنذ ذلك التاريخ يتم الاحتفال براس السنة الامازيغية تزامنا مع خصوبة الارض والطبيعة في شهر يناير الفلاحي.
ان الاحتفال براس السنة الامازيغية لا يحظى بكثير من العناية من طرف المؤسسات الاعلامية والثقافية ولا يجد اهتماما من قبل المسؤولين والمدبرين للشأن العام اللهم ما تقوم به المنظمات والجمعيات الامازيغية في ليلة راس السنة الامازيغية من حفلات وسهرات ولقاءات تستدعي لها رموزا من رواد الفن والموسيقى والغناء والثقافة والادب ينشطون تلك الليلة بروائع من الغناء والرقص الامازيغي لكن الاحتفال في اصله له ارتباط بحياة الفلاح ومعيشة السكان الاصليين يحتفلون براس السنة حسب طقوس القبيلة وتقاليدها و يجسدون الاحتفال في كل ما له دلالة في حياتهم اليومية او علاقتهم بالأرض ماء وخضرة وبذورا ويسمون بالأرض الى حد الالتحام و الالتحاف بتربتها ولأشيء مقدم عليها وفي اسطورة (حمو اونامير) نجد كيف ان حمو رغم ولهه وعشقه وصعوده للسماء لملاقاة ملاكه الا انه عاد الى الارض او سقطت نقطة دمه الى الارض لتحيا من جديد في تربة الارض وطبيعتها.

ومن الامثال التي تروى وتحكى في مثل هذه المناسبة من قبل الفلاحين والسكان الاصليين والتي لها ارتباط بالزمن الفلاحي حرثا وزرعا وسقيا وحصادا (شتنبر ءيفوغ اكتوبر اسيد ءاوولونك) – شهر شتنبر انقضى وشهر اكتوبر خذ محراثك –

وفي ليلة راس السنة الامازيغية – الفلاحية- يتم تحضير قصعة العصيدة (تاكلا) من الذرة (اسنكار) او الشعير(تمزين) وان كانت الاولى هي المشهورة. وصفها

المرحوم المختار السوسي الشاعر خير وصف حين قال:
لمن جفنة اقبلت تتألق
تلوح بلال العصيدة يبرق
هذا اريج مسك ام نفحة روضة
ازاهيرها تحت الصبا تتدفق

ومن الطقوس التي تلازم هذا اليوم في بعض المناطق التي يقطنها الأمازيغ ان يقوم كل فرد من الاسرة بتحضير كويرة ( تعبوت ) من العصيدة فيضعها في مكان عال لا تصل اليه ايدي الاطفال للعبث بها فاذا كانت تحمل في الصباح الموالي شعرة من البقر فصاحبها سيكون من حظه ان يملك بقرة او ابقارا واذا كانت تحمل شعرة صوف فصاحبها سيكون من حظه ان يملك حظيرة من الاغنام وهذه الطقوس وغيرها تكتسي صبغة التعلق بما ستجود به تلك السنة من الخيرات.
ماذا عن طقوس الاحتفال بالأطلس الصغير والجنوب

الاحتفال براس السنة الامازيغية متجذرة عند كل السكان الاصليين الأمازيغ في ربوع بلدان الشمال الافريقي، انهم يحتفلون براس هذه السنة تحت اسماء ومسميات عديدة (شوميخا) (اوركيمن) (تاحكوزت) (ءيض ن- يناير) (بركوكس) الا انه في سوس يسمون الاحتفال براس السنة الامازيغية (ءيض – ن- يناير) والاحتفال يكون من خلال تحضير وجبة خاصة بهذا اليوم الجديد من السنة الجديدة عبارة عن تهيئ وصنع عصيدة من دقيق (الذرة) – ابراي- يتم تحريك (تاكلا) او العصيدة بعصا خشبية (اوفان) او (تاغنجا) و يحتفظ بهذه العصا في السطح دون غسلها الى حين سقوط المطر. وفي وسط (ازلاف) هذه العصيدة تحفر حفرة تملا بزيت اركان او زيت الزيتون وبداخلها توضع نواة الثمر (اغرمان) ويتنافس الكل على ايجاد اكبر قدر ممكن من النواة لان ذلك حسب المعتقدات يجلب الحظ الاوفر في الحياة (ءوركيمن). وفي مناطق اخرى يسمونها( تاحكوزت) الذي هو عبارة عن سبعة انواع من القطاني تطهى فوق الحطب لمدة 24 ساعة تقريبا ويشارك افراد الاسرة في هذا اليوم بجلب الماء وتحضير ( تاكلا)او العصيدة او (بركوكس) وهو عبارة عن طحين يخل ويفتل بالماء ويمزج بعد ذلك بزيت اركان والعسل.
في اليوم الاول من السنة الجديدة ترى النساء يحملن قليلا من (بركوكس) غير مملح الى مكان خارج القرية او خارج الدوار ثم ينصرفن دون ان يتكلمن بينهن او يتبادلن الحديث مع الغير وهن يضعن هذا (البركوكس) في مكان معلوم ومعروف لذى الجميع لكن لا يخترقه اي واحد من ابناء الدوار ذلك، وتسمى هذه العملية (اصيفضن)اي اعطاء الجن نصيبه من الطعام قبل ان يضاف له الملح.

وفي الصباح الموالي تقوم نساء وفتيات القبيلة بما يسمى (ازكزيون ؤوسكاس) اي تحضير السنة الجديدة، وقد تجتمع النساء لوحدهن والفتيات لوحدهن ويذهبن الى الحقول المجاورة للدوار حيث الحقول مخضرة بالربيع ويحملن على ظهورهن سبلات (ازكيون) ويجمعن مختلف الاعشاب من (اكلاس) الذي هو من ربيع الشعير او (تيفراضين) عسف النخيل والمراد بهذه العملية افتتاح العام الجديد بلون اخضر لون الخصوبة والميلاد.

وفي نهاية الاحتفال يقوم الناس الذين حضروا (ءوركيمن) بتوزيع هذه الاكلة على الذين لم يتمكنوا من تحضيرها وهكذا يتم الاحتفال براس السنة احتفالا تقليديا.
هذه الطقوس الاحتفالية براس السنة الامازيغية عند السكان الامازيغ الاصليين هي حقيقة ووجود وليس خرافة وشعوذة بل ان هذه الطقوس الاحتفالية هي تسجيل امين للبيئة التي انتجته، فيها محاكاة للبيئة الامازيغية الاصلية، كما انها مرأة صادقة للوجدان الجمعي جاء تعبيرا تلقائيا عن الذات الفردية والجماعية وفرحة واعية بالحياة من السكان الامازيغ الذين يمارسون الحياة بطقوس اجتماعية. ان هذا الاحتفال هو تعبير عن فكر ووجدان المجتمع يؤكد بها وعبرها وجوده بفعالية نشيطة وبسيطة في نفس الان، لذا فليس لاحد الحق ان يسقط اي شيء منه لأنه بذلك يسقط سمة من سمات الشعب او الجماعة او سجل حياته وتاريخهالانساني.

ذ: محمد بادرة
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.