التفتيش التربوي : غموض في الممارسة التفتيشية وإشكال في تحديد المهام والوظائف والعلاقات

أكادير24

إن أزمة المدرسة المغربية في المرحلة الراهنة ليست إلا (انعكاسا لازمة الدولة في علاقتها بتطورات المجتمع المغربي منذ أواسط السبعينيات على الأقل ، هذا مع العلم أن الأزمة لا تعني دوما تفككا وضعفا  بل قد تكون أحيانا عديدة شرطا لا بد منه للمراجعة والإصلاح والتحديث ….) عبد السلام حيمر

لذا شهد المغرب خلال السنوات والعقود القليلة الماضية تداولا واسعا لخطاب الإصلاح والتحديث ، وشهد لقاءات ومنتديات و نقاشات مستفيضة حول الأوجه التي ينبغي أن يتخذها هذا الإصلاح ومجالات الحياة التي يجب أن يطالها ، الأمر الذي يمكن اعتباره طفرة جديدة في الخطاب الرسمي وخطوة متقدمة تستجيب لطبيعة التطورات العميقة التي يعرفها المغرب في محاولة منه لمواكبة ركب المستجدات التي بات يشهدها العالم .

وحين تلجا الدولة إلى مراجعة وتحديث وإصلاح النظام التربوي والتعليمي إنما لأجل ملائمة هذا النظام مع التطورات والتحولات التي شهدتها مختلف مجالات الحياة حتى يصبح هذا النظام التعليمي منتجا للإنسان القادر على التعامل مع هذه المستجدات والتحولات وقادرا على الفعل فيها بايجابية .

وتتزامن خطابات الإصلاح والتحديث في العقدين الأخيرين مع تواريخ ومواعيد خاصة من قبيل سنوات 2000 – 2003 – 2006 – 2009 – 2013 – 20015 – 2017 …وهي تواريخ لها ارتباط باستحقاقات وتحديات داخلية أو لها علاقة بتطور وافق علاقات المغرب مع شركائه الاقتصاديين والسياسيين أو ترتبط بالموقع الذي يسعى إلى احتلاله ضمن النظام العالمي الجديد الذي تشكل العولمة احد ملامحه البارزة.

ويشكل الإصلاح البيداغوجي احد الأوراش الجوهرية الرامية إلى تفعيل غايات وأهداف المشاريع الإصلاحية باعتباره عنصرا أساسيا في إصلاح النظام التربوي عامة من قبيل البرامج والمناهج الدراسية والكتب المدرسية والتقويم التربوي والتوجيه والإعلام المدرسي والبحث التربوي ونظام التقويم والامتحانات… وهذا الإصلاح البيداغوجي هو في صلب الدور الاستراتيجي لهيئة التفتيش أو الإشراف التربوي .

لذا يشكل التفتيش أو الإشراف التربوي رافعة أساسية للارتقاء المستمر بجودة المنظومة الوطنية للتربية والتكوين والية لليقظة التربوية والتتبع الداعم للنجاح  المتجدد للمدرسة وذلك اعتبارا للأدوار التي ما فتئ يضطلع بها المفتشون أو المشرفون التربويون في بنائها وتطوير مضمونها البيداغوجي وفي تحسين سبل أدائها ، وبالنظر لوظائف التاطير والتكوين والتقويم والبحث التي يقومون بها ولا سيما في إعداد المناهج والبرامج الدراسية وتحيينها وتحسين التدريس و التعلمات والرفع من مؤشرات التحصيل الدراسي .

إن هيئة التفتيش أو الإشراف التربوي بقطاع التربية والتكوين لها مسؤولية كبرى في إنجاح الإصلاحات التربوية وتطوير منظومة التربية والتكوين سواء على مستوى إرساء الحكامة الجيدة أو التخطيط التربوي أو على مستوى المقاربات البيداغوجية ، كما أن لهذه الهيئة  مسؤولية قيادية في الرفع من جودة أداء المنظومة التربوية وتحسين العملية التربوية التكوينية عن طريق تكوين و تاطير الأساتذة والأستاذات وربطهم  بمستجدات الحقل التربوي ، وتعتبر هذه الفئة الحلقة المركزية في تطوير الوظائف الأساسية للمدرسة المغربية وتفعيل مقتضيات إصلاح المنظومة .

  • تفتيش تربوي أم إشراف التربوي ؟ لابد من إزالة اللبس الاصطلاحي .
  • سؤال الهوية –

ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين مصطلح الإشراف التربوي في نعثه لهذه الفئة كبديل اصطلاحي لمفهوم التفتيش : (تقوم السلطة الوطنية المشرفة على قطاع التربية والتكوين ..بإعادة هيكلة هيئة المشرفين التربويين )المادة  135 – ب

وفيما بعد جاءت وثيقة الإصلاح الموالية المعنونة بالرؤية الإستراتيجية للإصلاح 2015/2030 فتراجع المشرع التربوي عن مصطلح الإشراف وأعاد تسمية الهيئة ب ( هيئات التفتيش والتخطيط والتوجيه والتدبير …) المادة 47

وهو نفسه المصطلح الذي أعيد استعماله في مشروع قانون الإطار 17-51 الذي ورد فيه ( علاوة على الشروط النظامية المطلوبة لولوج مهن التدريس والتكوين و التاطير والتفتيش بالقطاع العام …..) -المادة 38

إن كلمة التفتيش ، هي كلمة مستعارة في المجال التربوي وهي دالة على الاستعمال الإداري وليس التربوي ، وتحمل معاني الاستعلاء وتلمس الأخطاء والالتفات إلى الجوانب الشكلية في العملية التربوية دون النفوذ إلى لبابها ,,…ولقد ذهبت بعض الأنظمة التربوية إلى استبدالها بألفاظ ومصطلحات غيرها ، ومنها الإشراف التربوي … (ع العزيز إبراهيم البسام).

إن هذا اللبس وهذا التعدد الاصطلاحي في نعث هذه الفئة بالتفتيش مرة وبالإشراف مرة أخرى يبين الغموض الذي يلف ممارسة هذه الفئة ، فهل هو جهاز إداري للمراقبة والمحاسبة على التقصير في أداء الواجب أم هو هيئة تربوية متخصصة ومضطلعة بمهام كفايات تطوير المناهج والبحث التربوي وطرائق التدريس والتتبع التربوي للممارسات الصفية و التاطير والتقويم والتكوين وتنمية الكفايات المهنية للمدرسين …  هل مهمة المفتش هي ضبط حالات التلبس أثناء التقصير في المهام وتفتيش المدرسين و المتهاونين منهم و تعبئة وتنقيط بطاقة الترقية أم مهمته هو التاطير والمراقبة التربوية بالفصول الدراسية وتطوير مناهج وبرامج ومنهجيات التكوين و ملاءمتها مع المستجدات التربوية الحديثة

لذا حان الوقت لإزالة الالتباس والغموض الذي يلف الممارسة التفتيشية ارتباطا بضبابية وعمومية الخطاب التشريعي ثم الفراغ و النقص القانوني والمؤسسي الذي ينتظم هذه الهيئة .

ولقد ثم إصدار مذكرات تنظيمية عديدة لتعمل على الإرساء التدريجي لهيكلة التفتيش في مختلف المجالات حتى تتناسب مع الوضعية المهنية والممارسات التفتيشية الحالية على جميع المستويات …إلا أنها بقيت مثلجة في ثلاجة التبريد القانوني للمذكرات والمراسيم التنظيمية…

  • التشريعات والنصوص القانونية والتربوية المؤطرة لمهام ووظيفة هيئة التفتيش التربوي

أن الأوان للتحديد المؤسساتي والمهني للهوية المهنية لهيئة التفتيش

 

نظرا لتعدد المهام المنوطة بهيئة التفتيش وتشعبها وتداخلها إقليميا وجهويا ووطنيا هناك العديد من الوثائق القانونية والتنظيمية التي جاءت لتؤطر مهام وادوار هيئة التفتيش  من قبيل المراسيم والمذكرات الوزارية أو وثائق الإطار الخاصة بتنظيم مهنة التفتيش من قبيل :

  • مرسوم رقم 2.85.742 صادر في 4 اكتوبر 1985 بشان النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية .
  • مرسوم رقم 2.02.854 صادر في 10 فبراير 2002
  • المذكرة رقم 87 بتاريخ 26 يناير 1987 حول تقارير التفتيش والزيارات .
  • المذكرة 80 بتاريخ 06 يونيو 1989 في شان تنظيم المراقبة التربوية .
  • المذكرة 115 بتاريخ 21 شتنبر 2004 حول تنظيم التفتيش التربوي للتعليم الثانوي والمذكرات 113- و- 114 .
  • الوثيقة الإطار لتنظيم التفتيش ابريل 2004 .
  • الميثاق الوطني للتربية والتكوين (الدعامة الثالثة عشرة).
  • الرؤية الإستراتيجية للإصلاح 2015/2030(الرافعة التاسعة).
  • مشروع قانون الإطار رقم 17/51 (الباب السادس ).

جاء في المرسوم رقم 2.85.742 الصادر في 4 أكتوبر 1985 بشان النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية في موضوع مهنة ومهام مفتشي التعليم ، المادة 9 :

( يكلف مفتشو التعليم .. حسب الاختصاص بالتاطير والمراقبة التربوية لأطر التعليم .. والمؤسسات التعليمية العمومية والخاصة ومؤسسات تكوين الأطر وكذا بتتبع وتكوين واستكمال خبرة هذه ألأطر ويساهمون في إجراء وتنظيم الامتحانات والمباريات التعليمية والتربوية والمهنية ..)

وإضافة إلى المهام المذكورة…يمكن أن يكلف مفتشو التعليم بالقيام بدراسات من طرف الوزير المكلف بالتربية ألوطنية كما يشاركون حسب الاختصاص في كل أنشطة البحث التربوي قصد تحسين المناهج التربوية والرفع من مستوى التعليم ، وتباشر أنشطة البحث بتعاون مع كل الهيئات المختصة.

وهي نفس المهام والوظائف التي تكرر ورودها في الوثيقة الإطار لتنظيم التفتيش – ابريل 2004 ، عن الوظيفة الرئيسية والمهام المحورية للتفتيش ، جاء فيها أن :

  • أ- الوظيفة الرئيسية للتفتيش في أبعاده وامتداداته هي الرفع من جودة التربية في مفهومها الشامل بتحقيق التوجيه الملائم والتكوين الجيد والنافع للتلميذ عن طريق ضمان التنظيم المحكم والتدبير الجيد للمؤسسات التربوية والتكوين وبنياتهما ووسائلهما
  • ب- المهام المحورية وهي :
  • تاطير ومراقبة عمل الأطر التربوية والإدارية العاملة بمؤسسات التربية والتكوين والإشراف عليه وتقييمه .
  • المساهمة في إعداد البرامج والمناهج الدراسية والامتحانات التربوية والمهنية وتتبع انجازها وتقويم نتائجها .
  • المساهمة في بناء التصورات وإعداد المشاريع وفق متطلبات نظام التربية والتكوين .
  • المساهمة في انجاز الدراسات والأبحاث التربوية مع الهيئات المختصة .

إن هوية المشرف التربوي أو المفتش تتمثل وفق ما جاء في المذكرات والوثائق التنظيمية في مراقبة وضبط الفعل ألتعلمي والتواصلي  و الديداكتيكي بالفصل الدراسي لأجل الرفع من مستوى تعلمات التلاميذ  ومن نتائجهم الدراسية موازاة مع الالتزام بتطبيق التوجيهات التربوية والأطر المرجعية إضافة إلى مهام أخرى مسندة إليه بمذكرات أو تكليفات إقليمية وجهوية ومركزية   ….

هذه المذكرات والوثائق تحمل بين طياتها إشكالات قانونية وتشريعية تزيد غموضا على غموض وإشكالا على إشكالات ، ولا ترسم حدود الوظيفة الأساسية للهيئة  ولا طبيعة العلاقات التي تحكم هذه الهيئة مع مختلف مكونات المنظومة التربوية ، وخصوصا مع الإدارات التربوية المحلية والإقليمية والجهوية والمركزية .. فأين مكانه ودوره في مجالس التدبير ؟ مجالس الأقسام ؟ المجالس التعليمية ؟ ما هو التحديد الدقيق لمهام مفتش المنطقة التربوية ومهام المنسق الجهوي للمادة أو المجال تم تباعا مهام المنسق المركزي التخصصي … فلكل واحد منهم مهام أساسية وأخرى طارئة تأتي تحت ضغط الأوامر أو الحاجة  أو الطوارئ فيتحركون في إطار لجن البحث والتقصي  أو الزيارات الميدانية أو التكوين والتكوين المستمر أو الإشراف على مراكز الامتحانات ….إنها مهام وعمليات وإجراءات عديدة ومتنوعة تحتاج لكفايات إدارية و كفايات العلاقات العامة و كفايات التعامل مع الجماعات … مما سينعكس على التخلي التدريجي عن الاهتمام المباشر بالتخصص (المادة – الفصل الدراسي – المناهج – التقويم – طرق التدريس …)

إن المهمة أو المهام المحددة للمشرف التربوي يجب أن لا تبقى رهينة الأسلوب الإداري العقيم ( المفتش تحت تصرف الإدارة لخدمتها… أو المفتش بعبع يخوف به من خرج عن عصا الطاعة…أو المفتش هو رجل المطافئ ….أو المفتش هو من الشرطة الإدارية التربوية تحرر التقارير لإرسالها إلى من يهمهم الأمر …)

انه لابد من تحديد مهمة المشرف التربوي على أساس أن لا ترتبط بتكليفات أو انتدابات طارئة أو محدودة في الزمان والمكان ، وان لا ترتبط بمهام لا تخدم مجاله واختصاصاته . ولكن يجب وضع إطار قانوني يحدد هويته التربوية ومهمته أو مهامه تكون واضحة المعالم قانونيا ومهنيا ووظيفيا مع توفير شروط العمل المادية والمهنية  حتى يمارس هذا الكائن التربوي دوره الاستراتيجي لإصلاح المنظومة التربوية  .

ولقد جاءت محاولات عديدة لتأهيل الموارد البشرية ضمن ديناميكية الإصلاح اقرها الميثاق الوطني للتربية والتكوين من قبل ثم الرؤية الإستراتيجية للإصلاح 2015 / 2030 و أخيرا مشروع قانون الإطار رقم 17/51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي . وكل هذه الوثائق الإصلاحية تشير إلى الدور الهام الذي تقوم به هذه الفئة في الرفع من المردودية و النجاعة الداخلية لمؤسسات التربية والتكوين وفي التاطير المباشر للأساتذة للرفع من قدراتهم المهنية …(الرؤية الإستراتيجية للإصلاح 2015/2030 – المادة 47 )

ولتأهيل هذه الفئة حتى تأخذ موقعها المتميز في النظام التربوي وتؤدي مهامها بكل ما تستلزمه من أرضية معرفية متينة وتكوين بيداغوجي ملائم  قام المجلس الأعلى للتعليم من جهته بدراسة تشخيصية سنة 2009 في صيغة تحليل للنصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالتفتيش التربوي ارتكز فيها على :

  • مقتضيات الميثاق الوطني ولا سيما المادة 135 ب المتعلقة بإعادة هيكلة التفتيش التربوي .
  • نتائج استطلاع رأي المفتشين والمفتشات ، والذي اشرف المجلس

الأعلى على انجازه خلال نفس السنة (2009).

  • الدراسة التشخيصية التي أعدها المجلس الأعلى للتعليم سنة 2009 وهي دراسة مقارناتية لبعض التجارب الدولية في ميدان التفتيش شملت حوالي 12 منظومة تربوية .

كما أن هذه الدراسة شخصت بعض الإشكاليات المرتبطة بالتفتيش التربوي ،  من أهمها :

  • تعدد المهام التي تسند للمفتشين من قبل الإدارة المركزية والجهوية و الإقليمية علاوة على مهامهم الأصلية  مما يكون في الغالب على حساب اضطلاع المفتش التربوي بدوره الأساس المتمثل في التاطير والتكوين والتنشيط والتقويم البيداغوجي والبحث التربوي .
  • قلة الاستناد إلى برنامج سنوي للنشاط التربوي على مستوى الجهة أو الإقليم مما يؤدي إلى ممارسة المهام في استجابة للتكليفات الإدارية أكثر من المتطلبات التربوية و البيداغوجية التي يقتضيها دعم المدرسين و تاطير هم .
  • غلبة المراقبة التربوية للمدرسين على حساب عمليات التاطير والتنشيط والبحث الميداني .
  • غياب إطار مرجعي لكفايات المفتش التربوي يتم على أساسه تدقيق مهامه وتكوينه وتقويم عمله .
  • ضعف الحصة المخصصة للبحث التربوي وعدم إعطائه مكانته الضرورية في توجهات تطوير المهنة وتجديدها .
  • نقص الفضاءات والتجهيزات واللوازم الضرورية لعمل المفتشين التربويين ولمنسقياتهم الإقليمية والجهوية .
  • قلة وسائل النقل لتأدية مهام التفتيش بالشكل المطلوب خصوصا بالنسبة للمفتشين بالوسط القروي .

وكان هدف المجلس الأعلى في تركيزه واهتمامه بهذا المشروع الخاص بالتفتيش التربوي ، حسب نفس الوثيقة هو :

  • العمل على تطوير مهام التفتيش في اتجاه المهننة ارتكازا على الأدوار الجديدة التي يضطلع بها التفتيش التربوي خصوصا ما يتعلق بالتقويم والافتحاص البيداغوجي للمؤسسات التعليمية والمناطق التربوية مع استهداف تنظيم الأعمال التي يقوم بها المفتش ضمن برنامج عمل سنوي .
  • جعل الأدوار المناطة بالتفتيش التربوي ملائمة مع خيارات ومتطلبات الإصلاح التربوي و ديناميته ولا سيما بتمكينه من جهاز فعال للتقويم والافتحاص الداخلي متمتع بالاستقلالية اللازمة لأداء هذه المهمة على الوجه الأمثل .

وهي نفس المهام والأدوار التي أعاد تأكيدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في الوثيقة الإصلاحية (الرؤية الإستراتيجية للإصلاح 2015/2030)- المادة 55

  • رافعات التطوير المقترحة من طرف المجلس الأعلى للتعليم

التفتيش التربوي آلية للمراقبة والإصلاح المتجدد للمنظومة

في ضوء عناصر التشخيص السابقة واستحضارا للمنطلقات والمبادئ التي تؤطر مهام ووظيفة المفتش التربوي يقترح المجلس الأعلى للتعليم  مداخل العمل التالية في صيغة رافعات لتطوير مهنة التفتيش التربوي :

الرافعة الأولى : مهام و كفايات ممهننة

وميز فيها بين نوعين من المهام :

  • مهام المراقبة التربوية والتا طير والتكوين والبحث والاستشارة .
  • مهام الافتحاص البيداغوجي للمؤسسة التعليمية بواسطة فرق متعددة التخصص للتفتيش تتمتع في الاضطلاع بهذه المهمة بنوع من الاستقلالية الوظيفية التي تستلزمها مقتضيات التقويم الموضوعي .

وتتركز عملية التقويم والافتحاص البيداغوجي على الخصوص في :

  • الوقوف على واقع العملية التربوية والبيداغوجية بالمناطق التربوية مع تشخيص الصعوبات التي قد تعترض التدريس والتعلمات في اتجاه الإسهام في تحسين مؤشرات جودتها .
  • تحديد حاجيات المؤسسة المدرسية من الدعم التربوي لفائدة المتعلمين ومن التكوين لفائدة المدرسين .
  • الوقوف على سير مشاريع تنمية المؤسسات ورصد نتائجها الميدانية

وعلاوة على الافتحاص البيداغوجي تتحدد مهام التفتيش التربوي بالأساس فيما يلي :

  • مراقبة سير عمليات التدريس والتعلمات وانجاز المناهج والبرامج

و ملاءمتها للأهداف المرسومة والوسائل الديداكتيكية المعتمدة والعلاقة البيداغوجية والتدبير التنظيمي والزمني للمحتويات الدراسية والامتحانات الفصلية والإقليمية والجهوية والوطنية.

  • تاطير الأساتذة وتنشيطهم ومواكبتهم بكل وسائل الدعم والتكوين والمساعدة البيداغوجية مع السهر على التنمية المستمرة لكفاياتهم المهنية
  • القيام بالبحث التربوي والسهر على تنميته مع التركيز على بعديه الوظيفي والميداني
  • الاستشارة وذلك عبر تقديم الخبرة والرأي في المجال التربوي عامة وبالمناهج والبرامج وطرائق التدريس والتعلم بالمقاربات البيداغوجية والمعينات الديداكتيكية وتوجيه المتعلمين بتدبير الموارد البشرية العاملة في القطاع

الرافعة الثانية : تكوين أساس متين ومؤهل  وذلك من خلال :

  • اعتماد الأطر المرجعية لكفايات التفتيش التربوي .
  • إعطاء الأولوية في التكوين لمجزوءات التقويم والافتحاص البيداغوجي في تكامل مع تمتين باقي التكوينات التي يتطلبها التأهيل لممارسة مهنة التفتيش التربوي
  • ايلاء الأهمية للبحث التربوي الوظيفي والميداني ومناهجه التقنية
  • تنويع التخصصات والمقاربات المنهجية والبيداغوجية والتواصلية مع إعطاء حيز اكبر للتداريب الميدانية .

الرافعة الثالثة :تكوين مستمر لتنمية مهنية دائمة  تنبني على تتبع حصيلة كفايات كل مفتش وذلك ب :

  • تلبية حاجات هيئة التفتيش التربوي في مجالات المقاربات الديداكتيكية – تقنيات التنشيط – تسيير عمل الفريق – استعمال تكنولوجيا الجديدة للإعلام والاتصال – مناهج التقويم وأدواته – مناهج البحث التربوي

الرافعة الرابعة : شروط ملائمة ومحفزة لمزاولة المهنة ومنها :

  • توفير الشروط المادية اللازمة للعمل خصوصا في المناطق القروية .
  • تطوير وسائل العمل البيداغوجية لممارسة مهنة التفتيش من قبيل شبكات المراقبة – مؤشرات التقويم – ….

الرافعة الخامسة : تقويم عمل التفتيش التربوي في إطار ترسيخ المسؤولية والمحاسبة بناء على النتائج

إذا كانت هذه الوثيقة المرجعية قد شخصت الاكراهات المرحلية والراهنة و الاختلالات التي اعترت الممارسة التفتيشية و أثرت على مسار تفعيل وتطوير مهنة الإشراف التربوي وقدمت في نفس الآن أهم التوجهات والتدابير التفعيلية لتطوير أداء هيئة الإشراف التربوي من خلال إقرار نصوص تشريعية جديدة وتنظيم جديد يعتمد مقاربة شمولية و تشاركية حتى تؤدي هذه الفئة مهامها بكل ما تستلزمه من أرضية معرفية متينة وتكوين بيداغوجي ملائم

فهل أشفت هذه الوثيقة غليل أهل الدار ؟

انطلاقا من العديد من الكتابات التي نشرت في الكثير من المنابر الإعلامية و صدرت في عدد من الدوريات والمنشورات استخلصنا مجموعة من القضايا والإشكالات التي استعرضها بالتفصيل هؤلاء المفتشون أو المشرفون التربويون منها ما هو مهني وظيفي ومنها ما هو مادي اجتماعي ومنها ما هو غير ذلك ، بل إن الكثير من اقتراحاتهم ومطالبهم ومشاكلهم قد ورد عدد مهم منها في الدراسة التشخيصية للمجلس الأعلى للتعليم سنة    2009 .. وبعضها الآخر يمكننا تلخيصه في :

  • ـ الإشكال القانوني حيث يلاحظ الممارس لمهمة التفتيش أو الإشراف غموضا في ممارسة المهمة حين يرمى به في كل الساحات المشتعلة بالنيران ” الصديقة ” ( مشاكل إدارية وتدبيرية – الصراعات بين المدرسين و الإدارة – …) دونما حماية أو غطاء قانوني تشريعي إلا رسائل التكليف الطارئة أو رسائل الانتدابات المحدودة في الزمان والمجال .
  • -الإشكال التنظيمي حيث يلاحظ الممارس لمهمة التفتيش عدم وضوح علاقته مع مختلف مكونات المنظومة التربوية… سواء مع مديري المؤسسات التعليمية أو المديرين الإقليميين أو الجهويين أو المركزيين أو حتى مع وزير القطاع ..فما هي حدود الاتصال والانفصال بينهم ؟ وما هي درجة التنسيق والتعامل بين مكونات الإدارة التربوية وهيئة التفتيش ؟ وما هي حدود العلاقة القانونية والتنظيمية والتربوية بين هذه الإطراف كاملة… عوض ترك هذه الوضعية ضحية التشويش والتعويم مما يسبب في توترات وصدامات غير مرغوب فيها . انه يجب في نظر هذه الهيئة مأسسة هذه العلاقات بهدف استثمارها في اتجاه جودة المنتوج في علاقة الهيئة مع كل أصناف الإدارة التربوية عموديا و أفقيا وأيضا مع الأساتذة ..

و كذا بين المفتشين فيما بينهم ، هناك إشكال العلاقة بين العمل الفردي والعمل الجماعي في إطار أللجن المستحدثة وبينها وبين مجالس التنسيق المركزي و الجهوي والإقليمي وكمجموعات عمل المناطق   .

  • – مشكلة ضعف شروط ووسائل العمل ونقصد الشروط المادية والمعنوية لأداء المهام الأساسية التي تشكل هوية المفتشين المهنية من استقلالية وكرامة ونزاهة وتوفير الفضاءات والتجهيزات والنقل وغيرها من الوسائل والشروط الضرورية التي يمكنها تعزيز وتطوير آليات التاطير والتفتيش التربوي .
  • – الضبابية في تحديد الهوية المهنية للمفتش ووظيفة التفتيش التربوي كضرورة الالتزام بالفصل بين مهام التفتيش التربوي ومهام الافتحاص الإداري .

إن الإجابة على هذه الإشكالات ، ووضع الحلول لهذه الاختلالات ،وإعادة هيكلة هيأة التفتيش بما يضمن الارتقاء بوظائفها التاطير ية والتربوية  قد يساعد على :

– تنظيم عمل المشرفين التربويين بما يضمن الاستقلالية الضرورية لمهنة التفتيش .

– تجديد العلاقة مع المدرسين لجعلها اقرب إلى الإشراف و التاطير ألتعارفي والتواصلي .

– تجديد مناهج وبرامج ومنهجيات التكوين و ملاءمتها مع الأدوار الجديدة لمهن التربية والتكوين  .

– إبراز الدور الأساسي والاستراتيجي للهيئة في إصلاح المنظومة .

– إزالة الالتباس والغموض الذي يلف مهنة ومهام المفتش التربوي.

وهذا كله سيؤسس لوضع مهني وتربوي واضح المعالم قانونيا ومهنيا وتربويا وسيضمن شروطا مهنية واعتبارية ومادية ترفع من صورة الهيئة في المؤسسة وفي المجتمع ودورها الأساسي في التربية والتكوين .

نحو تطوير مهام التفتيش لأجل تجويد العملية التربوية

  • نحو أنسنة العلاقات –

بعيدا عن الإطار التشريعي الذي يحتله المشرف أو المفتش التربوي ويحدد مهامه ومهنته ، فان لهذا الفاعل التربوي علاقة وطيدة بالمنهاج الدراسي من برامج ومناهج وبحوث تربوية… ، كما انه إطار تربوي متصف بازدواجية التكوين والوظيفة ، فهو من جهة له علاقة بميدان البحث التربوي والتعليمي في أبعاده النظرية والمنهجية والعلمية ، ومن جهة أخرى فهو على صلة بالواقع الفعلي المباشر للعملية التعليمية بحكم إشرافه ومراقبته لسير الدروس وتوجيه المدرسين و تاطيرهم .

هذا الموقع المزدوج يجعل المشرف أو المفتش التربوي في صلب المنهاج الدراسي ، فبحكم علاقته الأولى بالبحث التربوي يسهم في انجاز دراسات عن الجوانب الديداكتيكية الخاصة بالمواد وتقييم نتائج البكالوريا وبحوث حول ظواهر الانقطاع والعنف المدرسي  ووضع الأسس النظرية للعمليات التربوية التي يتعين أن يبني عليها المنهاج إسهاما يمليه تخصصه التربوي ومعرفته بمستجدات الفكر التربوي والتعليمي وبحكم علاقته الثانية بالسير العملي للعملية التعليمية يكون المشرف أو المفتش التربوي على بينة من العوائق والصعوبات الملموسة التي تحول دون تحقيق أهداف المنهاج الدراسي  ، انه المسؤول على تقييم تجربة معينة انطلاقا من ملاحظة مدى ملاءمة المحتويات والطرق وتكوين المدرسين لأهداف معينة ومدى قابلية تحقيقها في واقع له سمات محددة .

ولذا فان المشرف أو المفتش التربوي  يكون مسلحا بالوسائل العلمية والمنهجية والنظريات الفلسفية – السوسيولوجية والسيكولوجية وبالخبرة الوافية الآتية من ممارساته اليومية لعمليات المراقبة و الإشراف والتدريب … وكل هذه المعارف والخبرات تسمح له أن يكون قائدا يملك فكرا استراتيجيا في إصلاح المنظومة ، لأنه متصل بالعلم والمعرفة والخبرة.

  • المشرف / المفتش قائد التربوي بثقة المدرسين

إن دور المشرف التربوي ليس محدودا في مراقبة المدرس وتتبع عثراته أو تقييم أدائه – فقط – أثناء عملية التدريس داخل الفصل ، بل عليه أن يتجاوز ذلك إلى مستوى المشاركة في  الأنشطة والعلاقات بين الفرقاء التربويين ابتداء من وضع السياسات التربوية مرورا بتطوير المناهج وعمليات التكوين الأساسي والتدريب المستمر . فهو احد مكونات العملية التربوية الهادفة إلى تطوير التربية والتعليم انطلاقا من الاهتمام بالمدرس وتطوير طرق تدريسه باعتباره قطبا للعملية التعليمية  وبالتالي فقد جعل منه موقعه هذا قائدا تربويا يؤدي دورا رياديا في ربط التربية بتكوين الإنسان وتحقيق أهداف التنمية البشرية والمستدامة .

القيادة التربوية للمشرف التربوي ليست وظيفة رسمية يعين صاحبها بقرار رسمي ، بل هي مهمة تنشا من خلال الممارسة والعمل وهذا يعني أن المشرف التربوي / أو المفتش لا يملك حق القيادة بمجرد حصوله على وظيفته في الإشراف بل يصبح قائدا إذا مارس مهامه بطريقة فاعلة يكسب من خلالها ثقة المدرسين والمدبرين التربويين وتأييدهم . والقيادة ليست الزعامة أو التحكم و إنما هي مجموعة ادوار من قبيل : التفاعل – الاستشارة – إبداع الأفكار – القياس  التشخيص  –…. كما أن القيادة التربوية للمفتش أو المشرف التربوي تتمظهر في سلوكاته القيادية من قبيل البحث والتحري عن الحقائق و الأعمال التربوية الجيدة ، …بهذه الأدوار والصفات والخصال العملية والعلمية يرتقي المشرف التربوي إلى درجة قائد تربوي يقود الحملات الإصلاحية للحد من المشكلات التربوية وتقدير وتقويم ما تحقق من انجازات …

المشرف التربوي كنموذج إنساني في تدبير العمليات التربوية

الإشراف أو التفتيش التربوي من حيث وظيفته هي عملية تعتمد على الاعتراف بقيمة العلاقة الإنسانية كصرح لبناء الثقة بين المشرف من جهة وبين المدرس من جهة أخرى .

والمقصود بالشخصية الإنسانية للمشرف – المفتش مجموع الصفات العقلية والانفعالية التي تؤثر مجتمعة أو منفردة في سلوك وتصرفات الفرد  وبالتالي يكون لمظاهرها المختلفة وقع على الآخرين سواء على المستوى الشخصي أو المهني أو الوظيفي فتؤثر في استجاباتهم  وتوحي بالتعاون التلقائي بين الأفراد حيث يؤدي هذا الشعور إلى مزيد من التقارب خاصة بين المدرس والمشرف بل قد يدفع بالمدرس إلى طلب الاستعانة  بالمشرف – المفتش لا لمجرد اجتياز ترقية في السلم الإداري ولكن لأجل الاستشارة وطلب التوجيه والإرشاد عند الحاجة فتتحول العلاقة الارتباطية  بينهما إلى نوع من الانجذاب وزيادة الترابط ورفع الحواجز من خلال الممارسات التي تقرها العلاقات الإنسانية الهادفة.

ومن الخصائص الإنسانية والتربوية والمعرفية والعلمية التي بجب أن تتوفر في المشرف التربوي:

  • أ- الخصائص الإنسانية ، ومنها :

 

  • الإحساس بقيمة الإنسان لذاته واحترام رأيه وتوفير حرية العمل .
  • خلق مناخ يساعد على التفاعل والعمل المنتج .
  • تقدير عمل المدرسين والإشادة بها في الاجتماعات أوفي التقارير.
  • رحابة الصدر لتقبل النقد البناء .
  • الاتزان والعدالة في التفكير وضبط النفس واتساع الأفق .
  • العمل على تقوية أواصر العلاقات المهنية والاجتماعية بين العاملين في مهنة التدريس .
  • قياس أعمال المدرسين بقياس موضوعي .

(عن وثيقة المركز الوطني لتكوين مفتشي التعليم )- الرسالة التربوية – العددان 21-22 – 1987

إن على المشرف أو المفتش التربوي أن يكون مسلحا بمجموعة من الكفايات التواصلية هي جزء من فلسفة الإشراف التربوي المعاصر من قبيل :

  • كفايات تتعلق بالعلاقات الإنسانية .
  • كفايات الاتصال والتفاعل .
  • كفايات التعامل مع الجماعات .
  • كفايات التوجيه و الإرشاد .
  • كفايات إدراكية تتعلق بالقدرة على تصور المشكلات التربوي (جيرالد) .

و تصنيف هذه الكفايات لا يعني أن لكل منها قيما مستقلة ومتكافئة بل إن هذه الكفايات مترابطة وليست منفصلة .

ب- الخصائص العلمية والتربوية ومنها :

  • أن يكون قادرا على ضبط حاجات المدرسين في مجال التكوين.
  • أن يكون قادرا على استعمال تقنيات البحث التربوي .
  • أن يكون ملما بمشاكل التقويم والتوجيه.
  • المعرفة التامة بعلم النفس التربوي وطرق التدريس والقياس والتقويم والإدارة المدرسية والتخطيط التربوي وتاريخ التربية وأسس الإشراف التربوي .
  • الإلمام بمواضيع علوم التربية .
  • المشرف فاعل تربوي لأجل التطوير والتغيير

ترتبط مهمة المشرف في تطوير العملية التربوية بقدرته على المساهمة في إحداث التغير المطلوب وإحداث التغير ليس هدفا للمشرف بل مهمة يسعى من خلالها إلى دفع المدرسين للمساهمة في إحداث التغير فهو لا يفرض التغيير بل يسهله عن طريق تهيئة المدرسين وضمان تفاعلهم وتأييدهم و قيامهم بالجهد المطلوب ، والمشرف التربوي يخطط لجعل المدرسين  يلتزمون التزاما ذاتيا بالتفاعل مع التغيير . هذا التغيير يتم بإثارة وتحفيز المدرسين للعمل عبر ممارسة سلوك تشاركي يسمح للمدرسين بالمساهمة في اتخاذ القرارات المهنية الخاصة بأعمالهم.

ومن الشروط التي تخلق التطوير والتغيير : وضوح الهدف – شعور المدرس بأهمية دوره ومساهماته – الحرية في التخطيط – عدم تدخل المشرف المباشر و شعور المدرسين باحترام المشرف وممارسة الانضباط الذاتي (هارولد ماك ).

 

      ذ: محمد بادرة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: