نصر حامد ابو زيد وخطاب تفكيك وتأويل النص الديني
ولد د. نصر حامد ابوزيد عام 1934 في احدى قرى طنطا بمحافظة الغربية بمصر، حصل على شهادة الدبلوم من الثانوية الصناعية وعمل في هيئة الاتصالات السلكية واللاسلكية وبعدها التحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة وتخصص في دراسة اللغة العربية وآدابها (1976) ونال ديبلوم الماجستير في الدراسات الإسلامية تم الدكتوراه في التخصص نفسه عام 1979.
عين أستاذا بقسم اللغة العربية بجامعة القاهرة ثم بعدها أستاذا بجامعة ليدن بهولندا وأستاذا زائرا بجامعة أوساكا للغات الأجنبية باليابان.
من أعماله الفكرية البارزة (فلسفة التأويل) و(مفهوم النص: دراسة في علوم القران) و(نقد الخطاب الديني) و(الخطاب والتأويل) و (هكذا تكلم ابن عربي) و( اشكاليات القراءة واليات التأويل). ولجرأته العلمية وتعمقه في دراسة النص القرآني وتأويله فقد أثارت افكاره الدينية الكثير من الجدل وهو الأمر الذي وصل الى اتهامه بالردة والإلحاد.
كتاب (النص، السلطة، الحقيقة – الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة)
يضم الكتاب مجموعة من الدراسات التي نشرها الكاتب منذ عام 1990 وفيه يقدم قراءة نقدية لخطاب النهضة الذي يعتبره مسؤولا عن القراءة التلفيقية الموجهة ايديولوجيا عن التراث العربي الاسلامي ويدعو في المقابل الى دراسة نقدية تفكيكية للنصوص الدينية والتراثية والإفادة من المناهج الحديثة كالسميولوجيا والهرمنيوطيقا “للتحرر” من التفسيرات الايديولوجية المعطلة للعقل.
في الكتاب يركز المؤلف على عدد من القضايا والاشكالات، ومن أبرزها:
– أولا يتناول (مفهوم تاريخية النص) حيث اعتبر حامد أبوزيد أن النص الديني نص نزل في سياق تاريخي وثقافي محدد وليس منتجا خارج الزمان والمكان ودعا الى (تفكيك بنيته المفهومية التي استقرت في الوعي الديني حتى اتخذت شكل “العقيدة” المنزلة). واتخذ من مفهوم (خلق القرءان الكريم) الاعتزالي مبدأ لإبطال القول بقدم أو أزلية الخطاب الديني.
– ثانيا أشار الى السلطة المعرفية وفيها ناقش اشكالية انتزاع النص القرآني من سياقه التاريخي واللغوي والثقافي ثم كشف بنية القراءات الايديولوجية للنص الديني وكيف استخدمت لغرض ارادة الهيمنة السياسية والاجتماعية عبر احتكار “الحقيقة” وتأويلها وقال أن (سيادة الأفكار وهيمنتها تم وما زال يتم بأدوات القهر والقمع السلطوي.. وكما حاول المأمون فرض فكرة المعتزلة حاول خلفاؤه قتل فكرة المعتزلة وفرض فكرة خصومهم) المرجع اعلاه – ص69
– ثالثا انتقاد التراث الكلامي والفقهي كاشفا عن البنية الايديولوجية التي تطمس التعددية في فهم النص القرآني ولفك هذه الاشكالية يدعو الى (ادراك العمق التاريخي للتراث ..وادراك تعددية هذا التراث من حيث الرؤى والتوجهات .. وانجاز وعي علمي بالتراث يضعه في سياقه التاريخي ويدرك انجازاته التي اضيفت لرصيد الحضارة الانسانية) نفس المرجع -ص 14-
– رابعا دعا الى تجديد الخطاب عبر استخدام ادوات حديثة في قراءة النص الديني مثل اللسانيات وعلم السرد لتجاوز القراءات المغلقة.
وفيما يتعلق بالمنهج والهدف فانه يتبنى منهجا تحليليا نقديا (تفكيكيا) لزحزحة المفاهيم التقليدية حول “الازلية” المطلقة في تأويل النص الديني ساعيا لتقديم قراءة “موضوعية” تخرج بالنص من حيز “الصراع على السلطة” الى حيز “المعرفة والانسانية” والمنهج عنده (ينطلق من حقيقة أن قراءة “التراث” وقراءة “النص” الديني تتجلى في شكل خطابات تستوجب التحليل من أجل الكشف عن الدلالات الصريحة والمضمرة وصولا الى “بنية” الخطاب اسلوبيا وسرديا) نفس المرجع – ص8.
فجرت المؤلفات التي أنتجها الكاتب حول نقد الخطاب الديني ضجة كبيرة منذ تسعينيات القرن الماضي بفعل الصدمة التي أحدثها في بنية العقل العربي الجمعي حين ركز الكاتب على البعد اللغوي للنص الديني وأخرج النص المؤسس (القران الكريم) من طبيعته المقدسة كنص ديني صادر عن الوحي وتعامل معه كنص أدبي يخضع لآليات فهم النصوص، وبعبارة اخرى انتهج ابوزيد قراءة أدبية نقدية للطروحات الفقهية التي تناولت تفسير النص القرآني في ضوء أدوات ومناهج تحليل الخطاب الحديثة (السميولوجيا – الهرمنيوطيقا – علم اللغة – علم الأسلوب – علم السرد ) ليضع القران الكريم ضمن حقل النصوص الادبية قبل ان يعتبره لاحقا خطابا يدور حول معنى الحياة وهنا يصبح القران الكريم مثله مثل اي نص منتج. (احمد ماجد)
لعل الآليات المنهجية والنظريات الفلسفية التي أدخلها حامد أبوزيد على حقل الدراسات القرآنية هي الأكثر اثارة للجدل منذ أن قام طه حسين بنشر كتابه (في الشعر الجاهلي) في عشرينيات القرن الماضي، فهو قدم رؤية جدلية جديدة لنقد الخطاب الديني التقليدي وكذا المنهج الكلاسيكي فيما يتصل بقراءة النصوص الدينية.
المشروع النقدي لحامد ابوزيد : تأويل أم تضليل؟ – هرمنيوطيقا أم هرطقة؟
- يستخلص من خلال الاستقراء التأويلي للمشروع النقدي لنصر حامد ابوزيد أن المشروع بني على المخاتلة والتلفيق ويحمل في طياته الكثير من المضمرات فهو وقف على أرض الفكر الإسلامي ولكنه استعمل العدة المعرفية الغربية كالسميولوجيا والهرمنيوطيقا بالإضافة الى الألسنية والأسلوبية وهو ان أعمل الحفر في المنظومة الفكرية والدينية للمجتمعات العربية والاسلامية الا أنه بقي مسكونا بالآخر/الغربي – العلماني الذي يشكل النموذج الذي يسعى للتماهي والحلول فيه. (احمد ماجد)
- افراغ مفهوم النص من محتواه واعادة تأسيسه على أرضية التشكل والتشظي وذلك عندما حاول أبوزيد اعتبار النص القرآني أنه منتوج ثقافي أي نص لغوي وأدبي ويقول في أحد المواضع (فان الوحي القرآني نص لغوي كغيره من النصوص البشرية) وغايته هي ابعاد النص القرآني عن مصدره الالهي / الوحي أي أن النص الديني هو ظاهرة لغوية أو بالأحرى لغة ادبية لا تنفصل عن حدود الزمان والمكان وأنها ذات جوهر تاريخي، والحقيقة أن محاولات أبوزيد في التعامل مع النص القرآني كنص لغوي وأدبي فقط بمعزل عن كونه نصا الهيا هي محاولة غير موفقة ولا طائل من ورائها الا النيل من قدسية النص القرآني .. انه يقصي الذات الهية العالية المقدسة وهو بذلك يتأثر بالقراءات العلمانية المعاصرة المستحدثة ولقد انتقد الباحثون بشدة قراءة أبوزيد للقران الكريم باعتباره (نصا لغويا) أو(منتج ثقافيا بشريا) مؤكدين ان هذا المنهج يقفز على حقائق العقيدة التي تعتبر القران الكريم وحيا الهيا مطلقا وليس نتاجا للبيئة العربية القديمة.
- ان القراءة المعاصرة للكاتب وتحت تأثير المناهج الغربية لا تبحث عن تأويل النص ودلالته وبما جاء به القران الكريم عقيدة وشريعة وهداية وتوحيدا ولا بوصفه نصا مقدسا كلي المعرفة، وانما يعمل الكاتب تحت تأثير ما يعرف بنظرية موت المؤلف والهرمنيوطيقا والتفكيكية والبنيوية وغيرها من الفلسفات والمناهج التي لا تناسب مقام النص الديني لأنها مناهج وضعت لنصوص بشرية وتطبيقها يقلل من حيوية النص الديني ويثير تعسفا في التفسير.
- أعاد “معننة” المفاهيم وتعريفها تعريفا “جديدا” تحمل معنى مغايرا يقطع مع الذات الحضارية والثقافية ومع الهوية الدينية والقومية، خلط بين المفاهيم ولم يضع حاجزا بين قدسية النص القرآني ونقد التراث الديني بل اتهم الكاتب أنه خلط بين نقد الفكر الديني (تفسيرات البشر) وبين النص الديني المقدس (القران الكريم) ووجهت انتقادات حادة لمنهجه في (تاريخية النص) حين اعتبر المنتقدون ان ربط الأحكام بالظروف التاريخية يؤدي الى إبطال عموميتها ويجعل المعنى متغيرا ونسبيا مما يهدم ثوابت الاسلام.
- – ان خطأ ناصر أبوزيد يكمن في تخليه عن الناحية الوحيانية (الوحي) والالهية للقرآن الكريم واعتباره مجرد دلالة لغوية وأدى هذا التقليل بالقران الكريم وبالخطاب الالهي الى استبعاد واقصاء ونفي المرجعية المعرفية للقران الكريم والاكتفاء فقط بالدلالات اللغوية في سياقها الاجتماعي والثقافي والتاريخي.
- ان خطاب نصر حامد أبو زيد كما يصفه الربيعو يسيطر عليه “طقس المعركة” حيث أنه يعتبر نفسه منذ البداية منخرطا في معركة قديمة وجديدة تقودها قوى التقليد والسلفية والمتحكمين باسم الدين وصراعاته الطويلة مع أعلام التيار الاسلامي في مصر من أمثال عبد الصبور شاهين وفهمي هويدي.. هذه الصراعات والمعارك الثقافية هي التي أضفت على خطابه طابعا سجاليا وليس محض خطاب أكاديمي أو حتى خطاب معرفي خصوصا أن لغة السجال طرأت بقوة على خطابه بعد اصداره لمؤلفات (مفهوم النص) – (نقد الخطاب الديني)- (الامام الشافعي وتأسيس الايديولوجية الوسطية)…
نجدنا أمام (أبوزيد) كما لو أننا أمام نزعة (أوديبية غير واعية) تقتل الأب ولكنها تحتفظ بصورته كتذكار حتى لا يشعر القاتل بالذنب الناتج عن فعلته، لذلك يحفل نصه بميراث الفقيد كمخيال اصطنعه وتكلم عنه وحاول أن يقنع الآخرين به (احمد ماجد)
ذ. محمد بادرة


التعاليق (0)