هذا المقال من رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن توجه أكادير 24.

الولوج المستنير للعدالة بين تبسيط المسطرة وفعالية الحق في الدفاع… قراءة دستورية وحقوقية في المسطرة الشفوية بقانون المسطرة المدنية

كُتّاب وآراء

يعد الحق في الولوج إلى العدالة من الدعائم الأساسية لدولة الحق والقانون، غير أن هذا الولوج لا يستقيم في معناه الحقوقي العميق إلا إذا كان ولوجا فعليا ومستنيرا، يتيح للمتقاضي ممارسة حقوقه داخل مسطرة تضمن شروط المحاكمة العادلة ومقوماتها الجوهرية. فالعدالة لا تقاس فقط بإمكانية طرق أبواب المحاكم، وإنما بمدى قدرة المتقاضي على فهم قواعد التقاضي، واستيعاب آليات الدفاع، والتفاعل الواعي مع المسطرة وآثارها القانونية.

وقد كرس الدستور المغربي لسنة 2011 هذا التصور المتقدم، حين جعل من استقلال القضاء والحق في الدفاع ركيزتين أساسيتين للمحاكمة العادلة؛ إذ نص الفصل 107 على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأسند الفصل 117 إلى القاضي مهمة حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، في حين أكد الفصل 120 صراحة أن لكل شخص الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول، مع ضمان حقوق الدفاع. ويأتي هذا التوجه منسجما مع المرجعية الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما المادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللتين كفلتا حق كل فرد في أن تنظر قضيته محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة، مع توفير الضمانات اللازمة للدفاع.

وفي هذا الإطار، لا يثير أي خلاف أن مفهوم المحاكمة العادلة يقوم على منظومة متكاملة من الضمانات، يشكل الحق في الدفاع أحد أعمدتها المركزية، باعتباره الأداة التي تمكن المتقاضي من التعبير عن مركزه القانوني، ومواجهة ادعاءات خصمه، والتفاعل المتكافئ مع السلطة القضائية. وهو حق يجد امتداده كذلك في الفصل 23 من الدستور، الذي كرس قرينة البراءة وحقوق الدفاع، كما يجد سنده في الفقرة الثالثة من المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي شددت على ضرورة تمكين كل شخص من الدفاع عن نفسه بنفسه أو بواسطة محام يختاره.

غير أن النقاش يطرح اليوم بإلحاح عند الوقوف على بعض المقتضيات الواردة في قانون المسطرة المدنية، وخاصة تلك المتعلقة بالمسطرة الشفوية، التي تخول للمتقاضي إمكانية التقاضي دون الاستعانة بمحام، بدعوى تبسيط الإجراءات وتقريب العدالة من المواطنين. وهي مقاربة، وإن بدت في ظاهرها متجاوبة مع مطلب الولوج السهل والسريع إلى القضاء، فإنها تثير في عمقها تساؤلات جدية حول مدى انسجامها مع متطلبات الولوج المستنير للعدالة، ومع فعالية الحق في الدفاع كما أقره الدستور والمواثيق الدولية.

فالتمييز يظل قائما بين ولوج شكلي يقتصر على السماح بالمثول أمام المحكمة، وولوج مستنير يفترض تمكين المتقاضي من أدوات الفهم القانوني والإجرائي، بما يسمح له بممارسة حقوقه عن بينة ودراية. ذلك أن المسطرة القضائية، مهما اتسمت بالبساطة في ظاهرها، تظل نسقا قانونيا معقدا، تحكمه قواعد دقيقة في الإثبات، والدفوع الشكلية والموضوعية، وآجال الطعن، وآثار التصريحات والإقرارات، وهي عناصر قد يترتب عن الجهل بها مساس جوهري بالمراكز القانونية للأطراف، بما يتعارض مع مقتضيات الفصل 6 من الدستور الذي يقر بسمو القانون وخضوع الجميع له.

ومن هذا المنظور، يبرز الدور المحوري للمحامي كفاعل أساسي في منظومة العدالة، يسهم في تحقيق التوازن بين أطراف الخصومة، ويكرس مبدأ تكافؤ الحق في الدفاع و يعزز فعاليته، باعتباره أحد تجليات المحاكمة العادلة. ويجد هذا الدور سنده في المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، المعتمدة في مؤتمر هافانا سنة 1990، ولا سيما المادتين 1 و6، اللتين أكدتا ضرورة تمكين كل شخص من الاستعانة بمحام مؤهل ومستقل لحماية حقوقه والدفاع عنها أمام المحاكم.

ولا يخفى أن استقلال القضاء، على ما له من أهمية دستورية بالغة، لا يكفي وحده لتحقيق العدالة الإجرائية، ما لم يقترن بضمان حق دفاع فعلي وفعال، قادر على موازنة السلطة التقديرية للقاضي، وضمان تفاعل سليم بين أطراف النزاع داخل إطار قانوني منضبط. وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى تبسيط المسطرة باعتباره غاية في حد ذاته، بل وسيلة ينبغي أن تخضع لمعيار عدم المساس بجوهر الحقوق الأساسية، كما استقر عليه الفقه الدستوري المقارن.

وخلاصة القول، فإن الإشكال لا يكمن في إقرار المسطرة الشفوية في حد ذاتها، وما تطرحه إمكانية التقاضي دون مؤازرة قانونية، وإنما في طبيعة الاختيارات التشريعية التي قد تمس عمليا بحق الولوج المستنير للعدالة. وهو ما يضع المشرع اليوم أمام مسؤولية دستورية مضاعفة، تقتضي تصحيح هذه الاختيارات في إطار مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، من خلال التنصيص الصريح على توسيع مهام المحامي لتشمل المساطر الشفوية، باعتبار ذلك مدخلا أساسيا لتعزيز فعالية الحق في الدفاع، وضمان شروط المحاكمة العادلة، وصون الثقة في العدالة، وترسيخ دولة القانون في بعدها الحقوقي والمؤسساتي العميق.

الاستاذ خالد الغريص محام بهيئة اكادير كلميم و العيون

التعاليق (0)

اترك تعليقاً