من الأرحام إلى الثكنات: اتهامات تلاحق الجزائر بصناعة الأطفال المقاتلين

مجتمع

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

ليس أخطر على الدول من اللحظة التي تنتقل فيها من موقع الاتهام السياسي إلى دائرة الاشتباه الأخلاقي والإنساني. فحين تُثار اتهامات تتعلق بتجارة البشر، وتجنيد الأطفال، واستغلال الأجساد في مشاريع عسكرية، فإن الأمر لا يعود خلافًا دبلوماسيًا عابرًا، بل يتحول إلى فضيحة ذات أبعاد دولية لا يمكن احتواؤها بالبيانات ولا بالصمت.
الادعاءات المتداولة اليوم حول ما جرى ويُقال إنه ما زال يجري في محيط مخيمات تندوف، تضع النظام الجزائري أمام أخطر اختبار لشرعيته الأخلاقية منذ عقود. فالقضية، كما تُقدَّم في شهادات ومصادر متعددة، لا تتحدث عن دعم سياسي لجبهة انفصالية، بل عن هندسة بشرية ممنهجة استُخدم فيها الفقر، والهشاشة الاجتماعية، وغياب الرقابة، لتحويل الأطفال إلى وقود لمشروع عسكري مغلق.
إن الحديث عن شراء مواليد، ونقلهم قسرًا، وإخضاعهم لمسارات تنشئة عسكرية، إن ثبت، لا يندرج فقط ضمن انتهاكات حقوق الإنسان، بل يدخل مباشرة في خانة الجرائم العابرة للحدود التي لا تسقط بالتقادم. وهي جرائم تُدرجها القوانين الدولية في أعلى درجات الخطورة، إلى جانب الاتجار بالبشر وتجنيد الأطفال والاتجار بالأعضاء.
الأكثر إثارة للقلق ليس حجم الاتهامات وحدها، بل صمت المنظومة الدولية التي سمحت، لسنوات طويلة، بأن تتحول تندوف إلى منطقة خارج القانون، بلا إحصاء سكاني، ولا رقابة أممية حقيقية، ولا مساءلة. صمتٌ يطرح سؤالًا فاضحًا:
هل كانت حقوق الإنسان انتقائية؟
وهل كان الأطفال أقل قيمة لأنهم وُلدوا في صحراء معزولة عن الكاميرات؟
اليوم، ومع الحديث عن دخول الولايات المتحدة على خط هذا الملف، تبدو المعادلة مرشحة للتغيير. فحين يتحول “الملف الإنساني” إلى ملف أمني دولي، تسقط الحمايات السياسية، وتبدأ الأسئلة التي لا يريد أحد سماعها، ولا يمكن لأحد إيقافها.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة، ليس النقد، بل الحقيقة حين تُفتح عليها الأضواء دفعة واحدة. والحقيقة، إن كُتب لها أن تُكشف كاملة، لن تدين الأفراد فقط، بل ستدين منظومة كاملة اختارت أن تحوّل الإنسان إلى أداة، والطفل إلى مشروع مقاتل، والصمت إلى سياسة دولة.
وحده تحقيق دولي مستقل، شفاف، وغير خاضع للحسابات السياسية، كفيل بكشف ما إذا كنا أمام واحدة من أبشع الجرائم الصامتة في شمال إفريقيا… أم أمام فضيحة ستغيّر وجه هذا الملف إلى الأبد.