بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات اليومية بصورة غير مسبوقة، لم تعد الضغوط حالة استثنائية في حياة الإنسان، بل أصبحت جزءًا من تفاصيله العادية. العمل، الدراسة، القلق الاقتصادي، المقارنة الاجتماعية، وضجيج الأخبار… كلها عوامل تُراكم داخل النفس توترًا صامتًا قد لا يظهر فورًا، لكنه يستهلك طاقتنا تدريجيًا. ومع حلول الشهر الكريم، يطرح سؤال نفسه بإلحاح: هل السلام الداخلي رفاهية نفسية، أم ضرورة للعيش المتوازن؟
- السلام الداخلي: مفهوم يتجاوز الهدوء المؤقت
السلام الداخلي لا يعني غياب المشكلات، ولا الهروب من المسؤوليات، بل هو القدرة على العيش وسط العاصفة دون أن تتحول إلى عاصفة داخلية. إنه حالة من الانسجام بين ما نشعر به وما نفكر فيه وما نفعله.
الإنسان المعاصر غالبًا ما يبحث عن الراحة في تغيير الظروف الخارجية: وظيفة أفضل، دخل أعلى، أو حياة أقل تعقيدًا. لكن التجربة الإنسانية تثبت أن الضغوط تتغير أشكالها فقط، بينما يبقى التحدي الحقيقي هو كيفية إدارتها نفسيًا.
- لماذا أصبح السلام الداخلي أكثر صعوبة؟
هناك ثلاثة تحولات أساسية جعلت الوصول إلى الطمأنينة أكثر تعقيدًا:
1) الاستنزاف الرقمي: التدفق المستمر للمعلومات يمنح العقل شعورًا دائمًا بالاستعجال والمقارنة.
2) ثقافة الإنجاز الدائم: أصبح الإنسان يقيس قيمته بما يحقق، لا بما يكون.
3) الخوف من التوقف: الصمت أو الراحة يُفسَّران أحيانًا ككسل، رغم أنهما ضرورة نفسية.
هذه العوامل تجعل العقل في حالة تأهب مستمرة، وكأن الحياة سباق بلا خط نهاية.
- رمضان كمساحة لإعادة التوازن
يمنح الشهر الكريم فرصة نادرة لإعادة ترتيب العلاقة مع الذات. فالصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام، بل يدرّب الإنسان على ضبط الرغبات وإبطاء الإيقاع الداخلي.
عندما يقلّ الاستهلاك الجسدي، يصبح الإنسان أكثر قدرة على ملاحظة ما يحدث داخله: أفكاره، مخاوفه، وحتى مصادر توتره الحقيقية. وهنا يبدأ السلام الداخلي كعملية وعي قبل أن يكون شعورًا.
- مفاتيح عملية لصناعة السلام الداخلي
من خلال قراءة تجارب نفسية وروحية مختلفة، يمكن تلخيص بعض المداخل الأساسية:
- تقبّل النقص الإنساني
السعي للكمال أحد أكبر مصادر القلق. السلام يبدأ عندما يدرك الإنسان أن التعثر جزء طبيعي من الرحلة. - إعادة تعريف النجاح
ليس النجاح فقط في الإنجاز، بل في القدرة على الحفاظ على توازن نفسي وصحي رغم التحديات. - تقليل الضجيج الذهني
لحظات الصمت، التأمل، أو الذكر تساعد الدماغ على الخروج من حالة الاستنفار المستمر. - العيش في الحاضر
كثير من القلق مرتبط بالمستقبل، وكثير من الحزن مرتبط بالماضي. أما الطمأنينة فتسكن اللحظة الحالية. - العلاقات الداعمة
الإنسان كائن اجتماعي، والمشاركة الصادقة للمشاعر تخفف عبء الضغوط بدل مضاعفتها.
- السلام الداخلي ليس حالة دائمة
من أهم الحقائق التي يغفلها كثيرون أن السلام الداخلي ليس نقطة وصول نهائية، بل ممارسة يومية. قد نشعر بالهدوء اليوم ونفقده غدًا، وهذا طبيعي. الفارق الحقيقي يكمن في امتلاك أدوات العودة إلى التوازن.
- خاتمة
وسط عالم يزداد صخبًا، يصبح السلام الداخلي فعل مقاومة هادئة. ليس انسحابًا من الحياة، بل طريقة أعمق للعيش فيها. وربما تكمن حكمة هذا الشهر المبارك في أنه يذكرنا بأن الطمأنينة لا تُشترى من الخارج، بل تُبنى بصبر داخل النفس، خطوةً صغيرة كل يوم.
إن السؤال لم يعد: كيف نزيل الضغوط من حياتنا؟
بل: كيف نصبح أهدأ منها؟
