قصة مغربي أسلم بلداً كاملاً… ولا يعرفه المغاربة

أخبار وطنية

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

في عالم تُبنى فيه الأمم على ذاكرتها، وتُقاس قوتها بقدرتها على استحضار رموزها، يبدو أن المغرب يعيش مفارقة لافتة: تاريخ غني بشخصيات صنعت أثراً عابراً للقارات، يقابله ضعف واضح في استحضار هذه الأسماء داخل الوعي الجماعي.
من بين هذه الشخصيات التي طواها النسيان، يبرز اسم يوسف بو البركات البربري، الرحالة المغربي الذي ارتبط اسمه بقصة دخول الإسلام إلى جزر المالديف في القرن الثاني عشر الميلادي. قصة تحمل في طياتها أبعاداً دينية وحضارية، وتعكس جانباً من الحضور المغربي في تاريخ العالم.
تحكي الروايات أن سكان تلك الجزر كانوا يعيشون على معتقدات تقليدية، وأنهم اعتادوا تقديم قرابين بشرية اعتقاداً منهم بأنها تُرضي قوى غيبية. وفي خضم هذا الواقع، وصل رجل غريب، عُرف لاحقاً ب “بوالبركات” ، فواجه هذا الموروث بطريقته الخاصة، مستنداً إلى الإيمان والقرآن، في لحظة تحوّلت إلى نقطة مفصلية في تاريخ البلاد.
تُصوَّر هذه اللحظة على أنها بداية تحول جذري، حيث اعتنق الحاكم الإسلام، وتبعه السكان، لتدخل الجزر في طور جديد من تاريخها، وتصبح جزءاً من الفضاء الإسلامي في المحيط الهندي. وقد ترسخت هذه الهوية لاحقاً بشكل عميق، حتى غدا الإسلام ركناً أساسياً في تعريف الدولة والمجتمع هناك.
ومن اللافت أيضاً أن رمزية هذه الشخصية لا تقتصر على السرد التاريخي فحسب، بل تمتد إلى الحضور المادي في الذاكرة الرسمية لدولة المالديف، حيث يُنسب إلى بوالبركات البربري ضريح يوجد داخل القصر الرئاسي هناك ( مكتوب عليه هنا يرقض مولانا الامام يوسف بوالبركات البربري المغربي رحمه الله ). وهو معطى يعكس حجم التقدير الذي تحظى به هذه الشخصية في الوجدان المحلي، ويُبرز المفارقة بين مكانتها في تلك البلاد، وغيابها شبه التام في الوعي العام داخل المغرب.
ورغم ما قد تحمله هذه القصة من عناصر رمزية أو سردية، فإن دلالتها الأهم تكمن في إبراز قدرة الإنسان المغربي، منذ قرون، على التأثير خارج حدوده، والمساهمة في تحولات حضارية كبرى. لم يكن هذا التأثير قائماً على القوة العسكرية أو النفوذ السياسي، بل على الرحلة، والمعرفة، والتواصل، والدعوة.
لكن المفارقة التي تطرح نفسها بإلحاح هي أن هذا الاسم، الذي يُنظر إليه في تلك البلاد باعتباره جزءاً من الذاكرة المؤسسة، يكاد يكون مجهولاً داخل المغرب. فلا حضور له في المناهج الدراسية، ولا في الخطاب الإعلامي، ولا حتى في النقاش الثقافي العام.
هذا الغياب لا يمكن اعتباره مجرد سهو عابر، بل هو مؤشر على خلل أعمق في علاقتنا بتاريخنا. فالأمم التي لا تُعرّف أجيالها برموزها، ولا تستثمر في سردياتها الخاصة، تترك فراغاً يُملؤه الآخرون، أو يتحول إلى نسيان دائم.
إن استحضار شخصية بوالبركات البربري ليس مجرد استعادة لقصة من الماضي، بل هو دعوة لإعادة التفكير في كيفية بناء الوعي التاريخي. إنه تذكير بأن المغرب لم يكن يوماً معزولاً، بل كان حاضراً في مسارات كبرى، عبر رجاله الذين جابوا العالم وأسهموا في تشكيله.
لقد آن الأوان لأن نعيد الاعتبار لمثل هذه الأسماء، لا بوصفها حكايات للتباهي، بل كجزء من مشروع ثقافي يعيد ربط الحاضر بجذوره، ويمنح الأجيال الجديدة ثقة في امتدادها التاريخي.
فبين مغربي يُكرَّم في أقاصي المحيط الهندي، ومغربي لا يعرف عنه شيئاً في بلده، تكمن قصة أخرى… قصة ذاكرة تحتاج أن تُستعاد.