عندما يتكفل القدر بالرد: المغرب بين الحفظ الرباني وسقوط المتطاولين

خارج الحدود

بقلم:أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

ليس من قبيل المصادفة، ولا من باب المبالغة الخطابية، أن يُوصَف المغرب عبر قرونه بدولة الشرفاء والأولياء، أرضًا طيبة بعرش طيب وشعب متجذر في الإيمان والبيعة. فالتاريخ المغربي، السياسي والروحي، حافل بالشواهد التي تؤكد أن هذه البلاد لم تكن يومًا بلا سند، وأن من يتربص بها سوءًا، غالبًا ما يتكفل الزمن، أو ما هو أبعد من الزمن ، بالرد عليه.
خلال الأسابيع الأخيرة، خرجت إلى العلن تصريحات عدائية تجاه المغرب صدرت عن قيادات في الجزائر وفنزويلا، في سياق لقاء سياسي حمل الكثير من الاستفزاز وقليلًا من الحكمة. فقد أعلن أحدهم، وبنبرة تحدٍ، رفض الاعتراف بالسيادة المغربية على صحرائه، متجاهلًا قرارات دولية واضحة، وتحولات كبرى في مواقف القوى العظمى، ومستخفًا بإجماع متنامٍ يعتبر مبادرة الحكم الذاتي الحل الواقعي والنهائي للنزاع.
أما الطرف الآخر، القادم من أمريكا اللاتينية، فقد اختار أن يتدخل فيما لا يعنيه، وأن ينصّب نفسه مدافعًا عن كيان وهمي، ضاربًا عرض الحائط بمبدأ عدم التدخل، ومتوهمًا أن الشعارات الثورية القديمة ما تزال صالحة لعالم تغيّرت فيه الموازين وسقطت فيه الأوهام.
غير أن ما لم يكن في الحسبان، هو أن الأيام القليلة التي تلت تلك التصريحات حملت تطورات صادمة داخل المشهد الدولي نفسه. فالرجل الذي انشغل بمهاجمة المغرب، وجد نفسه فجأة خارج حسابات السياسة، بعدما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية توقيفه هو وزوجته، في واقعة هزّت صورته وأطاحت بخطابه، ليطير من مكانه الذي كان يتحدث منه بثقة زائفة. وهكذا، انتقل في أيام معدودة من مهاجمة سيادة الدول إلى مواجهة مصيره الشخصي، في مشهد لا يخلو من دلالة رمزية عميقة حول عواقب التدخل فيما لا يعني، ومخاصمة الحق، ومنازعة الثوابت.
وهنا، لا يسع المتأمل إلا أن يستحضر تلك الحقيقة الراسخة في الوجدان المغربي:
أن لهذه البلاد ربًا يحميها، وأن لها ملكًا يُجسّد البيعة، وأن لها شعبًا إذا صبر نُصر.
فالمغرب لم يرد، ولم يهدد، ولم ينجرّ إلى مهاترات. لم يرفع صوته، لأن من يعرف قدر نفسه لا يحتاج إلى الصراخ. ترك الأمر يسير في مجراه الطبيعي، وكأن لسان الحال يقول: ومن يعادِ المغرب، فإنما يعادي قدره.
لقد علّمنا التاريخ أن استهداف المغرب ليس مجرد موقف سياسي، بل امتحان ثقيل لا ينجح فيه إلا القليل. من حاولوا من قبل العبث بوحدته، أو التشكيك في شرعيته، أو الطعن في ملكيته، انتهوا بين عزلة، أو سقوط، أو نسيان. لأن هذه البلاد لم تُبنَ على ظرف، بل على دعاء، ولم تُحفظ بالتحالفات وحدها، بل بالثوابت.
وفي زمن تتهاوى فيه الأنظمة، وتنكشف فيه الزعامات الورقية، يظل المغرب واقفًا، لأن جذوره أعمق من أن تُقتلع، ولأن سقفه أعلى من أن يُنال.
أما من أراد التدخل فيما لا يعنيه، فليتأمل جيدًا ما وقع، فالعبرة لا تحتاج إلى تصريح رسمي… يكفي أن نقرأ الأحداث بعيون بصيرة.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

التعاليق (0)

اترك تعليقاً