عندما تُختطف كرة القدم… من يشعل الفتنة في المدرجات الإفريقية؟

أكادير الرياضي

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

لم تعد كرة القدم، في بعض المحطات، تلك المساحة البريئة التي تجمع الشعوب على الفرح والتنافس النبيل. فقد بات واضحًا أن هناك من قرر اختطاف هذه اللعبة الشعبية، وتحويلها إلى أداة قذرة لتصفية الحسابات السياسية، وبث الفتنة، وضرب ما تبقى من جسور الأخوة بين الشعوب الإفريقية.
ما وقع في نهائي كأس إفريقيا للأمم بالمغرب لم يكن حادثًا عابرًا، ولا انفلاتًا جماهيريًا لحظيًا، كما يحاول البعض الترويج له. بل كان، بكل المقاييس، حدثًا مدروسًا، سبقه تحضير، ورافقته استفزازات ممنهجة، ورافقته محاولات واضحة لجرّ المباراة خارج إطارها الرياضي.
ولم تقف خطورة هذه الأحداث عند حدود الفوضى داخل المدرجات، بل خلّفت مأساة إنسانية حقيقية تمثلت في مقتل متطوع بريء داخل الملعب، كان يؤدي واجبه في تنظيم هذا العرس الرياضي، قبل أن يتحول إلى ضحية عبث لا علاقة له بالرياضة ولا بالمنافسة. إضافة إلى ذلك، سُجلت خسائر مادية جسيمة داخل محيط الملعب، نتيجة أعمال التخريب والحرق المتعمد، في مشهد يعكس حجم الانفلات الذي جرى تغذيته وتحريكه. وامتدت تداعيات هذه الفتنة إلى خارج المغرب، حيث تعرّضت ممتلكات لمغاربة مقيمين في السنغال لأعمال حرق وإتلاف واعتداءات انتقامية، في سابقة خطيرة تُظهر كيف يمكن لتحريض رياضي موجَّه أن يتحول بسرعة إلى استهداف مدنيين أبرياء، وضرب علاقات تاريخية بين شعبين لم تجمعهما يومًا سوى الأخوة والاحترام المتبادل.
الاستفزازات لم تبدأ مع صافرة الحكم، بل قبلها بيوم كامل، في سلوك غريب عن جماهير عُرفت تاريخيًا بالرقي والانضباط. وهو ما يفتح الباب أمام سؤال مشروع: من الذي حرّك هذه الأحداث؟ ومن المستفيد من تحويل عرس كروي إفريقي إلى ساحة فوضى؟
كل المؤشرات، كما يراها عدد من المتابعين والمحللين، تقود إلى نظام اعتاد تصدير أزماته الداخلية إلى الخارج، بعدما فشل في تحقيق أي اختراق سياسي أو دبلوماسي يُذكر. نظام عسكري جزائري لا يتردد في توظيف كل الوسائل، بما فيها الرياضة، لضرب استقرار الآخرين وتشويه صورتهم، حتى لو كان الثمن هو تمزيق النسيج الأخوي بين الشعوب الإفريقية.
والأخطر أن هذا النظام يدرك جيدًا عمق العلاقات المغربية السنغالية، والمكانة الخاصة التي يحتلها الشعب السنغالي في قلوب المغاربة، والاحترام المتبادل الذي ميّز هذه العلاقة عبر عقود. لذلك لم يكن عبثًا محاولة استغلال هذا اللقاء بالذات، ولا محاولة ضرب هذه الرمزية الإنسانية، عبر افتعال التوتر وجرّ الجماهير إلى سلوك لا يشبهها.
ما يزيد الصورة قتامة هو ما تم توثيقه من مشاركة عناصر جزائرية وسط الجماهير في الاعتداء على عناصر الأمن المغربي داخل الملعب. هنا لم نعد أمام تشجيع متعصب، بل أمام فعل عدائي منظم، يستهدف الأمن، ويضرب صورة التنظيم، ويؤكد أن الهدف لم يكن كرة القدم، بل الفوضى.
أما بعض المنابر الإعلامية المعروفة بخطابها التحريضي، فقد لعبت دور “الموقد”، عبر تسويق المباراة كمعركة سياسية، لا مواجهة رياضية، في انحراف خطير يُحمِّل الإعلام جزءًا من المسؤولية الأخلاقية فيما حدث.
إن الصمت القاري عن مثل هذه الممارسات هو تواطؤ غير معلن. وعلى الاتحاد الإفريقي لكرة القدم أن يدرك أن ترك اللعبة رهينة للتوظيف السياسي سيقود إلى انفجار أكبر، وسيفقد الكرة الإفريقية مصداقيتها، ويحوّل الملاعب إلى ساحات صراع بدل أن تكون فضاءات فرح.
هذه الافتتاحية ليست دعوة للكراهية، بل صرخة ضدها. وليست استهدافًا للشعوب، بل دفاعًا عنها. فالشعوب الإفريقية أكبر من أن تُستعمل أدوات في معارك أنظمة مأزومة، وكرة القدم أنبل من أن تتحول إلى سلاح في أيدي من لا يؤمنون إلا بالفتنة.
حان الوقت لقولها بوضوح:
اتركوا كرة القدم للناس… وارفعوا أيديكم عن المدرجات.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً