شجرة الأركان في خطر: حين يتجاوز النفوق حدود الجفاف

مجتمع

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

نعود مرة أخرى إلى هذا الملف الذي أُثير مراراً، ودُقّ بشأنه ناقوس الخطر في أكثر من مناسبة. غير أن البعض ظلّ يُرجع ما يحدث إلى توالي سنوات الجفاف التي عرفتها المنطقة، معتبراً أن تحسن التساقطات كفيل بإعادة التوازن الطبيعي للغابة. إلا أن الواقع الميداني، وبعد الأمطار الأخيرة التي أعادت للأرض شيئاً من الحيوية، يُظهر أن الظاهرة ما تزال مستمرة، بل وتتخذ أبعاداً أكثر إثارة للقلق.
فغابات الأركان الممتدة بين أكادير وكلميم تشهد تزايداً ملحوظاً في حالات نفوق الأشجار، إلى درجة أن الأشجار الميتة أصبحت، في عدد من المواقع، تفوق تلك التي ما تزال صامدة. ولم يعد الأمر يتعلق بحالات معزولة أو ظرفية، بل بتحول واضح في المشهد الغابوي يفرض نفسه بقوة، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل هذا الموروث الطبيعي الفريد.
ورغم التساقطات المطرية الأخيرة، التي كان يُنتظر أن تعيد التوازن وتمنح الغطاء الشجري نفساً جديداً، فإن مساحات واسعة ما تزال تعرف استمرار مظاهر الذبول والموت التدريجي، وهو ما يُضعف فرضية ربط الظاهرة بعامل الجفاف وحده، ويدعو إلى قراءة علمية أعمق للأسباب الكامنة وراء هذا التراجع.

  • اختلال بيئي يتجاوز العوامل المناخية

لا شك أن سنوات الجفاف المتتالية أضعفت المنظومة البيئية وجعلتها أكثر هشاشة، غير أن استمرار نفوق الأشجار حتى بعد تحسن الظروف المناخية يوحي بوجود اختلالات بنيوية أعمق. فقد تكون أنماط الاستغلال غير المستدامة، والضغط الرعوي المتزايد، وتراجع العناية الغابوية، عوامل متداخلة ساهمت في إنهاك هذا النظام البيئي.
كما يطرح تزايد حالات النفوق احتمال تعرض الأشجار لإصابات مرضية أو لآفات بيولوجية، سواء تعلق الأمر بعدوى فطرية أو بطفيليات حشرية أو باختلالات في التربة والبنية الجذرية. إن هذا الاحتمال، وإن كان يحتاج إلى إثبات علمي، يفرض تعبئة خبراء الغابات والباحثين المختصين لإجراء تشخيص ميداني دقيق وتحاليل مخبرية معمقة لتحديد طبيعة الأسباب الحقيقية قبل استفحال الوضع.
وتُعدّ شجرة الأركان دعامة أساسية للتوازن البيئي بالمناطق شبه القاحلة؛ فهي تساهم في تثبيت التربة، والحد من زحف التصحر، والحفاظ على التنوع البيولوجي. ومن ثمّ، فإن تراجع كثافتها يهدد بتسارع تدهور الأراضي، ويُضعف قدرة المجال على مواجهة التقلبات المناخية المستقبلية.

  • أبعاد اقتصادية واجتماعية مقلقة

لا تقف تداعيات الوضع عند حدود البيئة، بل تمتد إلى النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة. فآلاف الأسر، إلى جانب عدد كبير من التعاونيات النسوية، تعتمد على إنتاج وتسويق زيت الأركان كمصدر رئيسي للدخل. وأي تراجع في عدد الأشجار المنتجة ينعكس مباشرة على المردودية، ويهدد استقرار منظومة اقتصادية محلية بُنيت على استدامة هذه الشجرة.
كما أن استمرار هذا التدهور قد يؤثر في سلاسل الإنتاج والتصدير، ويُضعف دينامية قطاع يُعد من أبرز قصص النجاح التنموي في الجنوب المغربي.

  • رمز للهوية الوطنية ورهان استراتيجي

لا يمكن تناول هذا الموضوع بمعزل عن البعد الرمزي والوطني لشجرة الأركان. فهي ليست مجرد مورد طبيعي، بل رمز من رموز الهوية الوطنية المغربية، ورافد من روافد الإشعاع البيئي والثقافي للمملكة. وقد أضحت الأركان علامة مميزة للمغرب على الصعيد الدولي، بما تمثله من خصوصية بيئية وقيمة اقتصادية.
ويكفي للدلالة على أهميتها أن عدداً من الدول يتطلع إلى استنباتها والاستفادة من خصائصها، وهو ما يعكس المكانة الاستراتيجية لهذه الشجرة، ويؤكد أن الحفاظ عليها ليس شأناً محلياً فحسب، بل رهاناً وطنياً بامتياز.

  • نحو تدخل عاجل ورؤية متكاملة

أمام هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحّة إلى تحرك ميداني عاجل يرتكز على تشخيص علمي دقيق للأسباب الحقيقية وراء تزايد حالات النفوق، بعيداً عن التفسيرات التبسيطية. كما يتطلب الوضع تعزيز المراقبة الغابوية، وضبط أنماط الاستغلال، والحد من الرعي الجائر، ودعم برامج إعادة التأهيل والتجديد الغابوي.
ولا يمكن لأي مقاربة أن تنجح دون إشراك فعلي للباحثين المتخصصين، والسلطات المعنية، والمنتخبين، والساكنة المحلية، في إطار برنامج جهوي متكامل يهدف إلى حماية غابة الأركان وضمان استدامتها.
إن ما يجري اليوم بين أكادير وكلميم ليس تراجعاً عابراً، بل مؤشر يستدعي اليقظة والتحرك الاستباقي. فغابة الأركان تمثل إرثاً بيئياً، ورأسمالاً اقتصادياً، ورمزاً وطنياً؛ وأي إخلال بتوازنها ستكون كلفته مضاعفة. إن الحفاظ عليها مسؤولية جماعية، لأنها جزء من هوية الوطن ومستقبل أجياله.