احتضنت مدينة تيزنيت جلسة نقاشية حول موضوع “تنمية مدينة تزنيت.. أية مقاربة لدى الفاعل المحلي؟”، نظمها فريق العدالة والتنمية بجماعة تيزنيت، بمشاركة عدد من الفاعلين المحليين والمهتمين بقضايا التنمية الترابية، في إطار فتح نقاش عمومي حول واقع التنمية بالمدينة وآفاقها المستقبلية.
وعرفت الجلسة مداخلات متعددة تناولت مختلف أبعاد التنمية المحلية، سواء من زاوية التشخيص أو من زاوية البحث عن سبل تطوير المقاربات المعتمدة لتحقيق تنمية أكثر فعالية واستدامة.

دعوة إلى تشخيص موضوعي للوضع التنموي
وخلال هذا اللقاء، قدم عبدالله بن عيسى، الإعلامي بجريدة “أكادير24”، مداخلة تناول فيها عدداً من القضايا المرتبطة بواقع التنمية في مدينة تيزنيت، مؤكداً أن النقاش حول مستقبل المدينة ينبغي أن ينطلق أولاً من تشخيص موضوعي للوضع التنموي، بعيداً عن منطق الترويج أو التقليل من المنجزات.
وأوضح المتدخل أن مدينة تيزنيت شهدت خلال السنوات الأخيرة عدداً من المشاريع والأوراش التنموية التي لا يمكن إنكارها، غير أن السؤال الأساسي الذي ينبغي طرحه، بحسب تعبيره، لا يتعلق فقط بما تم إنجازه، بل بمدى قدرة هذه المشاريع على خلق دينامية اقتصادية حقيقية وتحسين جودة حياة المواطنين.
وأشار بن عيسى إلى أن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بعدد المشاريع المنجزة أو حجم الأوراش المفتوحة، بل بمدى قدرتها على تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي ملموس ينعكس على فرص الشغل وعلى جاذبية المدينة للاستثمار.

برنامج عمل الجماعة كإطار مرجعي للتنمية
وفي سياق حديثه، أشار المتدخل إلى أن برنامج عمل جماعة تيزنيت 2023-2028 يشكل إطاراً مرجعياً مهماً لتوجيه السياسات التنموية المحلية، موضحاً أن هذا البرنامج يتضمن مجموعة من المحاور المرتبطة بالتأهيل الحضري والتنشيط الاقتصادي وتحسين الحكامة المحلية.
وأضاف أن البرنامج يضم عدداً كبيراً من المشاريع الموزعة على مجالات متعددة، من بينها التأهيل الحضري المستدام، والتنشيط الاقتصادي، وتحسين الخدمات المحلية، إلى جانب مشاريع مرتبطة بتثمين التراث الثقافي وتعزيز جاذبية المجال الترابي.
غير أن بن عيسى شدد في المقابل على أن نجاح أي برنامج تنموي يظل رهيناً بقدرته على تحقيق أثر ملموس على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وليس فقط على مستوى البنية التحتية.

مؤهلات مهمة تحتاج إلى رؤية استثمارية واضحة
وفي معرض حديثه عن المؤهلات المتاحة للتنمية، اعتبر الإعلامي بجريدة “أكادير24” أن مدينة تيزنيت تتوفر على رصيد مهم من الإمكانات الترابية والثقافية والاقتصادية، يمكن أن يشكل قاعدة قوية لأي مشروع تنموي طموح.
وأشار في هذا السياق إلى أن المدينة تتميز برصيد تاريخي وثقافي غني، خاصة المدينة العتيقة وأسوارها التاريخية، إضافة إلى الصناعة التقليدية التي تشتهر بها المدينة، وعلى رأسها صناعة الحلي الفضية التي تعد من أبرز مكونات الهوية الاقتصادية والثقافية للمنطقة.
كما توقف المتدخل عند الموقع الجغرافي لتيزنيت داخل جهة سوس ماسة، معتبراً أن هذا الموقع يمكن أن يمنح المدينة فرصاً مهمة للاندماج في الدينامية الاقتصادية الجهوية، خاصة في ظل المشاريع التنموية الكبرى التي تعرفها الجهة.
غير أنه أكد في المقابل أن هذه المؤهلات تحتاج إلى رؤية تنموية واضحة قادرة على تحويلها إلى فرص اقتصادية حقيقية، مشيراً إلى أن المدن التي نجحت في تحقيق إقلاع تنموي هي تلك التي استطاعت استثمار مؤهلاتها الترابية والثقافية في بناء اقتصاد محلي منتج.

التنمية مسؤولية جماعية وليست إنجازاً لفاعل واحد
وتطرق بن عيسى في مداخلته إلى مسألة دور الفاعلين المحليين في مسار التنمية، مؤكداً أن المدينة لا تُبنى بجهة واحدة فقط، بل من خلال تفاعل مجموعة من الفاعلين المؤسساتيين والاقتصاديين والمدنيين.
وأوضح أن المشاريع التنموية في المدن غالباً ما تكون نتيجة تراكم جهود متعددة تشمل الجماعات الترابية ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص والشركات المنجزة للمشاريع، إضافة إلى المجتمع المدني.
وفي هذا السياق، دعا المتدخل إلى اعتماد قراءة أكثر إنصافاً للخطاب التنموي المحلي، مشيراً إلى أن بعض الخطابات تميل أحياناً إلى اختزال الإنجازات في جهة واحدة، في حين أن الواقع التنموي غالباً ما يكون نتاج شراكات وتمويلات متعددة الأطراف.
وأكد أن الاعتراف بمساهمة مختلف الفاعلين في إنجاز المشاريع التنموية من شأنه أن يعزز ثقافة التعاون والتكامل بين مختلف المتدخلين في الشأن المحلي.

الإعلام المحلي ودوره في النقاش التنموي
كما أبرز بن عيسى الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام المحلي في مواكبة النقاش التنموي، مؤكداً أن وظيفة الإعلام لا تقتصر على نقل الأخبار أو تغطية الأنشطة الرسمية، بل تشمل أيضاً المساهمة في فتح النقاش العمومي حول قضايا التنمية.
وأضاف أن الإعلام يمكن أن يساهم في تقديم قراءة متوازنة لما يحدث داخل المدينة، من خلال إبراز المنجزات وفي الوقت نفسه طرح الأسئلة المرتبطة بالتحديات والإكراهات التي تواجه المسار التنموي.
وأشار إلى أن النقاش العمومي حول التنمية يشكل عنصراً أساسياً في تعزيز الشفافية وتطوير السياسات المحلية.
تحديات مرتبطة بالنموذج الاقتصادي للمدينة
وفي ختام مداخلته، اعتبر الإعلامي بجريدة “أكادير24” أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه مدينة تيزنيت اليوم لا يقتصر على إنجاز المشاريع، بل يتعلق أساساً ببلورة نموذج تنموي قادر على خلق فرص الشغل وتعزيز جاذبية المدينة اقتصادياً.
وأكد أن تحقيق هذا الهدف يتطلب رؤية مشتركة بين مختلف الفاعلين المحليين، تقوم على استثمار المؤهلات الترابية والثقافية للمدينة وربطها بدينامية اقتصادية حقيقية.
وختم بن عيسى مداخلته بالتأكيد على أن التنمية المحلية لا ينبغي أن تُختزل في خطاب جهة واحدة، بل هي في جوهرها نتيجة تراكم جهود جماعية شارك فيها الجميع في بناء المدينة.
