عبدالله بن عيسى
لم يكن أحد يتصور أن ينقلب الدور النقابي رأسا على عقب في لحظة واحدة، أو أن تتحول بعض الإطارات التي وجدت تاريخيا للدفاع عن حقوق الشغيلة التعليمية إلى منصة لإصدار أحكام جاهزة في حق أستاذة، بناء على رواية أحادية لم يُتحقق منها. لكن هذا ما وقع فعلا في إنزكان آيت ملول، بعدما وقّعت ثلاث نقابات تعليمية بيانا مثيراً للجدل، دافعت فيه عن مدير مؤسسة ابتدائية، وطالبت وبصيغة أقرب إلى لغة التقارير الإدارية بمعاقبة أستاذة اللغة الأمازيغية.
البيان الذي صدر كان أشبه بمحضر اتهام منه بموقف نقابي مسؤول. فبدل أن تبحث النقابات عن مكامن الخلل في تدبير المؤسسة، أو أن تتساءل عن أسباب التوتر الإداري – التربوي، اختارت الطريق الأسهل.. تبني رواية الإدارة دون مساءلة، وإصدار حكم إدانة جاهز تجاه الأستاذة..رواية تجاهلت أسئلة كثيرة، من قبيل، لماذا لم يتم الاستماع للطرف المعني قبل إصدار موقف علني؟ وأين مبدأ الحياد النقابي، وحق الطرفين في تقديم روايتهما؟ وكيف يمكن لهيئات يُفترض فيها الدفاع عن المظلوم أن تتحول إلى طرف يطالب بالعقاب دون تحقيق؟..هذه الأسئلة وحدها تكفي لتُظهر حجم السقطة الأخلاقية والسياسية.
جوهر الفعل النقابي هو حماية الشغيلة من الشطط، لا أن تتحول إلى امتداد للإدارة. فالمدير يملك سلطة التسيير، والمديرية تتوفر على آليات التفتيش والبحث التربوي؛ أما النقابة فدورها أن تطالب بالتحقيق لا أن تتورط في إصدار الأحكام ونصب محاكم التفتيش.
لكن البيان المذكور قام بالعكس تماما، تبنّى رواية المدير كما لو كانت حقيقة مطلقة، وطالب بإجراءات تأديبية دون انتظار أي تقارير رسمية أو نتائج بحث تربوي محايد.
الخطر الأكبر في هذا الموقف ليس فقط إدانة الأستاذة، بل دفع الجسم التعليمي إلى صراع فئوي مفتعل،
متصرفون تربويون في جهة، وأساتذة في جهة أخرى.
وهو الصراع الذي لا يخدم سوى من يريد تفتيت الجبهة الواحدة للشغيلة التعليمية، وتحويل اهتمامها من الملفات الكبرى إلى نزاعات داخلية صغيرة فئوية.
فالوزارة والإدارة لا تحتاجان أكثر من جسم نقابي مشتت، تتنازع فئاته بدل أن تتوحد في مواجهة ظروف العمل القاسية والاختلالات البنيوية.
لا يمكن عزل هذه الواقعة عن رمزية المادة التي تدرّسها الأستاذة، اللغة الأمازيغية، لغة رسمية بنص الدستور. ومع ذلك، تم التعامل مع أستاذتها بقدر كبير من التسرع، وبنبرة اتهامية خالية من أي حسّ تربوي أو وطني..ومهما تكن النيات، فإن الرسالة تصل واضحة، أن الاشتغال في تدريس الأمازيغية قد يتحول إلى مصدر متاعب لا إلى مسار مهني محفوف بالاحترام..ونتخوف أن نكون أمام مشروع أبارتايد إداري تربوي يستهدف الأمازيغية.
كان المنتظر من النقابات الثلاث أن تستثمر الواقعة لتسليط الضوء على مشاكل المتصرفين التربويين الضغط المهني، ضعف الوسائل، غياب نظام أساسي منصف.
وكان المنتظر أيضا أن تعيد النقاش إلى القضايا الجوهرية، من اكتظاظ، خصاص، انهيار البنيات، وتفاقم المهام الإدارية والتربوية.
لكن ما حدث هو العكس..إدانة متسرعة، وتجاهل للمشاكل الحقيقية، وتغذية تصدع جديد داخل الأسرة التعليمية.
ليس ما وقع مجرد حادث عابر، بل جرس إنذار قوي..العمل النقابي يفقد روحه حين يتحول إلى منصة لإدانة الشغيلة بدل الدفاع عنها، وحين يصبح البيان سيفا مسلطا على من يفترض أن يحميهم..وحين يتم الاجهاز على مؤسسات الوساطة الاجتماعية وتفرغ من أدوارها.
اليوم، تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة البيان المذكور وتصحيحه أو سحبه…إعادة الاعتبار لقيم الإنصاف والحياد داخل العمل النقابي، و إعادة توجيه البوصلة نحو القضايا الحقيقية التي تعيشها المدرسة العمومية، مع رفض الانزلاق نحو صراعات فئوية طفولية تضعف الجميع وتخدم منطق “فرّق تَسُد”…فالمدرسة العمومية تحتاج نقابات قوية، مستقلة، وإداة قوية ومسؤولة، و وسط مهني تشتغل فيه آليات الوساطة الاجتماعية وتدبير النزاعات، لا آليات تفخخ هذا الوسط وتشعل التوترات باصطفافات فارغة من المعنى، المعنى الاخلاقي والإداري والتربوي والاجتماعي.


التعاليق (0)