التوفيق بين النص القرآني والمعطى العلمي للدكتور موريس بوكاي
ولد الدكتور موريس بوكايMaurice Bucaille في 19 يوليوز1920 وكان طبيبا فرنسيا نشأ على الديانة المسيحية الكاثوليكية وعمل طبيبا خاصا للملك الراحل فيصل بن عبد العزيز ونظرا لعمله في الديوان الملكي السعودي فقد اهتم بالديانات السماوية الثلاث ودراسة وتحقيق الكتب المقدسة عند اليهود والنصارى والمسلمين، ونظرا لتكوينه العلمي- الطبي قام بمقاربة العلاقة بين القرءان الكريم والحقائق العلمية و توّج عمله بكتاب يحمل عنوان (التوراة والانجيل والقرآن والعلم ) La Bible Le Coran et La Science- – وهو الكتاب الذي حاز انتشارا واسعا وترجم الى أكثر من سبعة عشر لغة عالمية.
في الكتاب قام موريس بوكاي بمقارنة بين الكتب السماوية الثلاث (القرءان الكريم و الانجيل والتوراة) واستغرقت الدراسة قرابة ثلاثين عاما، وقد رتب موريس بوكاي كتابه وقسمه الى الفصول الرئيسية الآتية :
– الفصل الأول (أسفار العهد القديم) أشار فيه الكاتب الى اختلاف النصوص المتداولة والى ضياع النصوص الأصلية الثلاثة التي كانت تقرأ في القرن الثالث قبل الميلاد وأبرز المؤلف ما أصاب التوراة من تحريف وتغيير وتحوير خلال مدة ألفي عام وما دخله من “تصويب” أو “تصحيح” مع اختلاف الروايات والترجمات مؤكدا أن أسفار العهد الجديد قوامها الذاكرة انتقلت بالإنشاد والرواية من جيل الى جيل وبمقارنة بعض الاشارات الواردة في أسفار العهد القديم بمعطيات العلم الحديث استخلص المؤلف أن هذه الاشارات تتنافى كلية مع المعارف العصرية وخصوصا المواضيع المتعلقة ب(خلق العالم) و(الطوفان).
– الفصل الثاني (كتاب الأناجيل) بيّن فيه الكاتب التناقض الموجود بين الأناجيل الأربعة التي تتباين رواياتها في عدد من المواضيع وألقى نظرة على تاريخها ومصادرها المتعددة تم قارن أقوال ونصوص الأناجيل بالمعارف العلمية العصرية مبينا تناقض تلك الأقوال وتعارضها مع العلم الحديث وهو ما يجعل من الأناجيل كتبا تتضمن فصولا ومقاطع من صنع خيال الانسان غير أن هذه العيوب والتحريفات ليس من شأنها أن تشكك في وجود رسالة النبي عيسى عليه السلام وانما تخلق الشك حول مراحل سير هذه الرسالة.
– الفصل الثالث خصه الكاتب لموضوع ثبوت صحة القرءان الكريم مبينا مراحل نزوله وتدوينه مستخلصا من ذلك أن القرءان الكريم وحي منزّل من عند الله تعالى وأن يد البشر لم تعبث به ولم تتطرق الى نصه زيادة أو نقصانا وتناول بالبحث والتحليل مسائل النزول والجمع والتدوين المتعلقة بالمصحف الشريف مستندا في ذلك على أصح الروايات التاريخية ومستشهدا بالآيات الكريمة التي تثبت ان القرءان الكريم كلام الله المنزل.
لتأكيد ثبوتية القرءان واعجازه قام موريس بوكاي بمقارنة بين نصوص القرءان الكريم ونصوص من التوراة والانجيل مستعرضا ما يوجد بينها من اتفاق واختلاف حول مواضيع معينة وردت في الكتب السماوية الثلاث فأثبت بالحجة والعلم أن ما ورد في القرءان الكريم من موضوعات ومعارف علمية وتاريخية تتعلق ب(خلق العوالم) و(الطوفان) –على سبيل المثال – يختلف عن ما جاء في التوراة والانجيل مبرهنا على أن ما ورد في القرءان الكريم يتفق مع معطيات العلم الحديث بخلاف ما ورد عن نفس المواضيع في أسفار العهد القديم والعهد الجديد.
توقف موريس بوكاي في أحد فصول هذا الكتاب عند دراسات المستشرقين مفندا أقوالهم وأحكامهم الخاطئة التي يدّعون فيها الحكم على الإسلام أنه يمنع التقدم والتغيير وذلك نتيجة جهلهم بجوهر الإسلام والقرآن الكريم أو تعمد القدح والتشويه المطلق لهما، وأكد على أهمية العلم وقيمة العلماء عند المسلمين.. فموقف الإسلام من العلم مغاير تماما لما في الديانات الأخرى، فقد عملت الكنيسة على تقديم معطيات في مجالات كوسمولوجية وبيولوجية وحين اعتقدت أن الأرض مركز الكون ومن غير أن يكون لها سند من نصوص الكتب الانجيلية وأعدمت واضطهدت من خالفها رأيها في ذلك وما محاكمة غاليليو الا صورة صارخة عن فساد الكنيسة وكتابها “المقدس”.
أما الإسلام فموقفه من العلم مغاير لما في الديانة المسيحية وكتبها المقدسة، فهو دين يدعو الى التزود بالعلم (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) ويقدم موريس بوكاي آيات وسور قرآنية عن التنظيم السماوي وفكرة التطور البيولوجي والاخصاب النباتي والتناسل البشري.. بل وبتفاصيل توضيحية توافق تمام الموافقة معطيات العلم الحديث ولا شبيه لذلك في التوراة والانجيل بل ان الكاتب عندما استقرأ النصوص الانجيلية أكد أنها ليست من وحي الهي انما استوحت الكنيسة الانجيلية تصوراتها “العلمية” من الفلسفة الأرسطية.
وظف موريس بوكاي الحقائق العلمية لتفسير الآيات القرآنية باحثا فيها عن اشارات وظواهر أثبتها العلم الحديث خصوصا في القسم الثالث من الكتاب الذي قدم فيه تفاصيل عن نتائج المقارنة بين نصوص التوراة والانجيل من جهة ونصوص القرءان الكريم من جهة أخرى وخضع هذه النصوص المتضمنة لإشارات علمية عن نظام الكون والتطور البيولوجي لغربال النقد العلمي ومنها مسألتي “خلق العالم” و”الطوفان” واتضح له بعد الرصد العقلي والبحث العلمي أن النصوص التوراتية والانجيلية تتنافى مع العلم في حين وجد أن ما ورد في القرءان الكريم حول المسألتين يطابق العلم تمام المطابقة وبذلك يسجل الفوارق التي تجعل نصوص القرءان مقبولة في العصر الحديث ونصوص التوراة والإنجيل مردودة وهو ما دفعه أن يحكم بأنه لا يتصور في الذهن أن يتمكن رجل من البشر عاش في القرن السابع الميلادي من أن يأتي في القرءان بأفكار ليست أفكار عصره وذلك في مواضيع متعددة تطابق تمام المطابقة ما أثبته العلم بعد قرون من ذلك العصر واعتقد أنه لا يوجد تفسير بشري للقران ويقصد بذاك أنّ القرءان الكريم لا يمكن أن يكون من صنع البشر.
ومن الحقائق العلمية التي وقف الكاتب طويلا في سردها وعرضها للقارئ المسألة العلمية المتعلقة بالتناسل البشري مؤكدا أنها نظريات علمية كانت مجهولة في عهد النبي (ص) حيث أنه في العصور القديمة والوسطى بل الى حدود عصر غير بعيد عن عصرنا هذا كانت تحيط بمسائل التناسل البشري ضروب شتى من الأساطير والمعتقدات الباطلة فكيف لا يكون الأمر كذلك وقد كان على الانسان لكي يفهم المسائل المتصلة بالبناء التناسلي المعقّد أن يعرف علم التشريح وأن يكتشف المجهر (الميكروسكوب) وأن يشهد ميلاد العلوم الأساسية التي تزود منها علم وظائف الأعضاء وعلم الأجنة وعلم التوليد ..الا أن الأمر يختلف كل الاختلاف بالقياس الى القرءان الكريم الذي يذكر في عدد من آياته أجهزة بعينها بدقة ويتناول مراحل التناسل فيحددها بوضوح فلا يقدم الى قارئه مسألة واحدة يشوبها ولو ذرة واحدة من خطأ وقد بسط القرءان الكريم كل ذلك بعبارات سهلة يهون فهمها على الناس وتوافق كل الموافقة ما اكتشفه العلم بعد مرور زمن طويل من نزول القرءان الكريم ويلفت القرءان الكريم الانتباه الى العديد من المسائل التي لها علاقة بالتناسل ” خلق الأنسان من نطفة…” سورة النحل-
ان ما نطق به القرءان الكريم في موضوع التناسل البشري ليبين بعبارات سهلة طائفة من الحقائق الاولى التي لم يكتشفها الانسان الا بعد قرون عديدة من الكد والاجتهاد العلمي.
قراءة موريس بوكاي للقران الكريم كانت مخالفة عن المنهجية الاستشراقية وقامت على منظور علمي تاريخي مقارن.. واتخذ موريس بوكاي من العلم حكما على صحة النص القرآني حيث كان يقوم بسبر أسرار القران وادراك المعاني الخفية في آياته مستخلصا النتائج ثم يضعها في ميزان العلم ويبحث عن مدى توافق النص الديني مع العلم ومن بين هذه القضايا التي طرحها في ميزان البحث والتجريب الطوفان – خلق العالم – خلق الانسان – عالم النبات والحيوان وبعض القضايا التاريخية وخلص الى أن الكثير من الروايات التوراتية لا تتوافق مع المعارف العلمية الحديثة وهو ما قاده الى البحث عن مصدرية القرءان واعترف في هذا الكتاب بقوة النص القرآني وقال (لقد قمت أولا بدراسة القرءان الكريم وذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة باحثا عن درجة اتفاق نص القرءان ومعطيات العلم الحديث وكنت أعرف – قبل هذه الدراسة وعن طريق الترجمات – أن القرءان يذكر أنواعا كثيرة من الظواهر الطبيعية … وأدركت بعد الانتهاء منها أن القرءان لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث).
وعندئذ يتساءل المؤلف كيف يستطيع انسان في القرن السابع الميلادي أن يكتب حقائق لا تنتمي الى عصره؟ وهذا التساؤل كان مدخلا لتأكيد أن مصدرية القرءان ليست بشرية.
الدكتور موريس بوكاي لم يكن ينظر الى العلم والدين أنهما متعاركان ومتصارعان بل يراهما متباينان شكلا لكنهما غير متناقضان جوهرا فهما لا يتناقضان من باب أن اثبات احدهما لا ينفيه الثاني، ولا يتمايزان من باب أن ما يختص به أحدهما لا يختص به الآخر ويجب التعامل معهما من منطلق استقلالهما عن بعضهما البعض حيث أن لكل منهما لغة ومنهج ومواضيع وغايات خاصة به فما يشغل به العلم لا يشغله الدين والعكس صحيح فلكل مجال موضوعه: العلوم الطبيعية موضوعها العالم المادي لكن الدين موضوعه العقائد والشرائع والطريق الروحي أو بتعبير آخر فان العلم مبني على منهج الاستدلال العقلي أما الدين فهو يأخذ مبرره من التسليم القلبي,
ذ. محمد بادرة


التعاليق (0)