حين يصبح الانتظار عبئاً… نداء العودة إلى وطن الكرامة

أخبار وطنية

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

لم تعد قضية الصحراويين في مخيمات تندوف مجرد ملف سياسي عالق في أروقة الدبلوماسية الدولية، بل تحولت إلى مأساة إنسانية طويلة الأمد، يدفع ثمنها أناس بسطاء حُكم عليهم بالعيش خارج الزمن. عقود مرت، وأجيال وُلدت وكبرت تحت الخيام، بينما ظل المستقبل مؤجلاً، والوعود تتكرر دون أن تتحول إلى واقع ملموس.
اليوم، لم يعد السؤال: من المخطئ ومن المصيب؟ بل أصبح السؤال الأعمق: لماذا يستمر الصحراوي البسيط في دفع ثمن صراع لم يختره، ولم يجنِ منه سوى الانتظار والحرمان؟

  • المخيمات… حين يتحول الانتظار إلى قدر مفروض

في تندوف، الحياة ليست مجرد صعوبة عابرة، بل نمط عيش قاسٍ فرضته سنوات طويلة من العزلة. شباب كامل يعيش على المساعدات الإنسانية، بآفاق محدودة، وفرص شبه منعدمة، في وقت يشهد فيه العالم تحولات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة.
الجيل الجديد لم يعد مقتنعاً بالشعارات الكبرى وحدها. إنه يرى الفارق بوضوح بين واقع الركود داخل المخيمات، وبين دينامية التنمية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمغرب، حيث تُبنى الموانئ والطرق والجامعات وتُخلق فرص العمل. المقارنة أصبحت حتمية، والأسئلة أصبحت أكثر جرأة.

  • من يدفع الثمن الحقيقي؟

في كل صراع طويل، هناك دائماً فئتان: من يقرر… ومن يدفع الثمن. والواقع المؤلم أن أبناء الأسر البسيطة هم من يتحملون تبعات التصعيد والتوتر، بينما يعيش آخرون بعيداً عن قسوة المخيمات، يتمتعون بحرية الحركة والامتيازات.
هذه المفارقة خلقت شعوراً متزايداً بالغبن داخل المخيمات. لماذا يستمر التضحية بالشباب؟ ولماذا تبقى معاناة العائلات بلا أفق واضح للحل؟ أسئلة لم تعد قابلة للإسكات، لأنها تنبع من واقع يومي يعيشه الناس لا من خطاب سياسي عابر.

  • العالم تغيّر… فهل تغيّر الخطاب؟

المجتمع الدولي بات يميل أكثر إلى الحلول الواقعية القابلة للتطبيق، بعيداً عن المشاريع التي أثبت الزمن صعوبة تحققها. وفي المقابل، تتعزز مكانة الأقاليم الجنوبية كمجال للاستثمار والتنمية والاستقرار، ما جعل خيار العودة والاندماج يكتسب زخماً متزايداً لدى عدد من الصحراويين.
إن التحولات الجارية لم تعد تسمح باستمرار عقلية الانتظار المفتوح. فالشعوب لا تعيش على الذاكرة وحدها، بل على فرص الحاضر وضمانات المستقبل.

  • نداء إلى الضمير الصحراوي

هذه ليست رسالة خصومة، بل رسالة مصارحة. الكرامة لا تتحقق بالبقاء في وضع إنساني هش، ولا بتوريث المعاناة للأبناء. الكرامة تبدأ عندما يمتلك الإنسان حقه في الاستقرار، والعمل، والتنقل، والتعليم، وبناء حياة طبيعية داخل وطن يحتضنه.
لقد آن الأوان لطرح السؤال بشجاعة: هل يستحق المستقبل أن يبقى رهينة الماضي؟ وهل يمكن لجيل كامل أن يستمر في الانتظار بينما أبواب الحياة مفتوحة في مكان آخر؟

  • لحظة القرار

التاريخ لا يرحم اللحظات الضائعة. وكل تجربة إنسانية طويلة تثبت أن الحل الحقيقي يبدأ عندما يقرر الناس أنفسهم تغيير مصيرهم. العودة ليست هزيمة، بل اختيار للحياة. وليست تنازلاً، بل انتقال من واقع الجمود إلى أفق الأمل.
إن الرسالة اليوم واضحة: المستقبل لا يُصنع في الخيام، بل في الأوطان التي تبني الإنسان وتمنحه الكرامة. وبين وطنٍ يسير نحو التنمية، وواقعٍ عالق في الانتظار، يبقى القرار بيد الصحراويين أنفسهم… قرار الشجاعة، وقرار الحياة.