بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في الوقت الذي تُفترض فيه الرياضة جسرًا للتقارب بين الشعوب، جاءت خطوة الإدارة الأمريكية بإدراج الجزائر ضمن قائمة الدول المشمولة بنظام كفالة التأشيرة لتعيد طرح أسئلة شائكة حول العلاقة بين السياسة والأمن وحرية التنقل، وذلك بالتزامن مع العدّ التنازلي لانطلاق كأس العالم 2026 الذي تستضيفه الولايات المتحدة بالشراكة مع كندا والمكسيك.
القرار، الذي أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية ضمن حزمة إجراءات جديدة لتنظيم دخول الأجانب، ينص على إلزام مواطني دول محددة بتقديم كفالة مالية مرتفعة عند طلب تأشيرة الدخول، تُسترجع لاحقًا في حال الالتزام بمدة الإقامة القانونية. ورغم أن واشنطن تؤكد الطابع “التقني” لهذا الإجراء، فإن إدراج الجزائر في هذه القائمة فتح باب التأويل على مصراعيه، خاصة في ظل حساسية الظرف وتوقيته.
- سياسة أمنية بواجهة رياضية
من الناحية الرسمية، تبرر الإدارة الأمريكية القرار بارتفاع نسب تجاوز مدة الإقامة القانونية لبعض الزائرين، معتبرة أن الكفالة المالية أداة ردع فعالة تضمن احترام قوانين الهجرة. غير أن المراقبين يرون أن هذه السياسة تندرج ضمن توجه أوسع نحو تشديد الرقابة على الحدود، أعيد إحياؤه بقوة مع عودة الخطاب الأمني الصارم إلى صدارة المشهد السياسي الأمريكي.
وما يزيد من تعقيد الصورة أن القرار يتزامن مع استعدادات لحدث كوني بحجم كأس العالم، يُفترض أن يستقبل ملايين المشجعين من مختلف أنحاء العالم. هنا يبرز التناقض: كيف يمكن التوفيق بين استضافة بطولة عالمية تقوم على الانفتاح، وبين إجراءات قد تُنظر إليها كعقبة أمام جماهير دول بعينها؟
- الجزائر في قلب الجدل
بالنسبة للجزائر، لا يُقرأ القرار فقط من زاوية إدارية، بل يُنظر إليه باعتباره مؤشرًا سياسيًا ودبلوماسيًا يتجاوز مسألة التأشيرات ذاتها. فإدراجها ضمن قائمة الكفالة قد ينعكس على صورتها لدى الرأي العام الدولي، ويضعها، ولو ضمنيًا، في خانة الدول “عالية المخاطر” من منظور الهجرة غير النظامية، وهو توصيف ترفضه الجزائر رسميًا.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن القرار يسلّط الضوء على الحاجة إلى مراجعة أعمق للسياسات الداخلية والخارجية التي ينتهجها النظام العسكري الجزائري، خاصة ما يتعلق بإدارة ملف الهجرة، والانفتاح السياسي، وصورة البلاد في المحافل الدولية. إذ لم يعد التعامل مع مثل هذه القرارات ممكنًا عبر خطاب الرفض أو التبرير، بقدر ما يستدعي قراءة نقدية تعيد طرح سؤال الثقة الدولية ومكانة الجزائر في المعادلات الإقليمية والدولية.
- ما بين الجماهير والقيود
على المستوى الشعبي، أثار القرار قلقًا متزايدًا لدى عشاق كرة القدم، الذين يرون في الكفالة المالية حاجزًا إضافيًا أمام حلم متابعة مباريات كأس العالم من المدرجات. فالكلفة المرتفعة، إلى جانب مصاريف السفر والإقامة، قد تجعل الرحلة إلى الولايات المتحدة حكرًا على فئة محدودة، ما يتعارض مع الطابع الجماهيري الذي ميّز البطولة تاريخيًا.
في المقابل، تؤكد واشنطن أن امتلاك تذكرة المونديال لا يعني تلقائيًا ضمان الحصول على التأشيرة، وأن الإجراءات ستظل خاضعة لمعايير الأمن والهجرة، حتى في ذروة الحدث الرياضي.
- رسائل تتجاوز التأشيرة
بعيدًا عن التفاصيل التقنية، يحمل القرار رسائل أعمق تتجاوز ملف التأشيرات نفسه. فهو يعكس كيف يمكن للأحداث الرياضية الكبرى أن تتحول إلى ساحة تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية، كما يكشف في الوقت ذاته حدود الخطاب الرسمي الجزائري عندما يصطدم بقرارات دولية تُبنى على مؤشرات الثقة والحكم الرشيد والاستقرار المؤسساتي.
- خاتمة
بين شغف الجماهير وصرامة القوانين، تجد الجزائر نفسها في قلب معادلة معقدة، عنوانها الأمن من جهة، والحق في السفر والمشاركة في حدث عالمي من جهة أخرى. ومع اقتراب صافرة بداية كأس العالم 2026، يبدو أن الكرة لم تعد في ملعب السياسة الأمريكية وحدها، بل باتت أيضًا في ملعب النظام العسكري الجزائري، الذي يجد نفسه اليوم مدعوًا إلى مراجعة خياراته، وإعادة بناء صورته الدولية، إن أراد ألا تتكرر مثل هذه القرارات مستقبلًا.
