عادت أسواق الطاقة والمعادن الثمينة إلى التذبذب القوي، اليوم الثلاثاء، بعدما استأنف النفط ارتفاعه مدفوعا بتجدد المخاوف بشأن الإمدادات، في وقت واصل فيه الذهب مساره النزولي للجلسة العاشرة على التوالي تحت ضغط الدولار القوي وتبدد رهانات خفض أسعار الفائدة الأمريكية في الأمد القريب. ويعكس هذا التحرك المزدوج حالة القلق التي تعيشها الأسواق العالمية، حيث لم يعد المستثمرون يتعاملون فقط مع الأخبار العسكرية، بل أيضا مع آثارها التضخمية والنقدية.
النفط يستعيد مكاسبه بعد صدمة الاثنين
بعد الهبوط الحاد الذي سجله النفط أمس الاثنين إثر إعلان تأجيل ضربات أمريكية على منشآت الطاقة الإيرانية، استعادت الأسعار جزءا مهما من خسائرها في تعاملات الثلاثاء. فقد ارتفع خام برنت إلى 102.83 دولارا للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الأمريكي إلى 90.62 دولارا، في مؤشر على أن الأسواق لم تعد ترى في تأجيل الضربات دليلا كافيا على اقتراب التهدئة. بل على العكس، عادت المخاوف بقوة بعد نفي إيران وجود أي محادثات مع واشنطن، ما أعاد إلى الواجهة احتمال استمرار الأزمة في الخليج لفترة أطول.
ويبدو أن السوق باتت أكثر حساسية لأي خبر يتعلق بمضيق هرمز، الذي لا يزال يمثل نقطة الاختناق الأخطر في تجارة النفط والغاز العالمية. فحتى بعد مرور ناقلتين عبر المضيق، ما تزال حركة الشحن مضطربة، بينما يواصل المستثمرون تسعير خطر تعطل جزء مهم من الإمدادات إذا طال أمد الأزمة. ولهذا، فإن صعود الأسعار اليوم لا يعكس فقط نقصا آنيا في العرض، بل عودة “علاوة الخوف” إلى السوق بعد تراجعها مؤقتا أمس.
الذهب يواصل السقوط رغم التوتر الجيوسياسي
في المقابل، لم يستفد الذهب من التوتر الإقليمي كما يحدث عادة في أوقات الأزمات، بل واصل خسائره للجلسة العاشرة على التوالي. فقد هبط السعر الفوري إلى 4340.63 دولارا للأوقية، متراجعا بأكثر من 1%، بينما نزلت العقود الأمريكية الآجلة أيضا بالنسبة نفسها تقريبا. وتوضح رويترز أن السبب الرئيسي وراء هذا السلوك غير المعتاد يعود إلى قوة الدولار وارتفاع توقعات استمرار السياسة النقدية المشددة، في ظل المخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى تغذية التضخم مجددا.
وهذا التراجع يبرز أن الذهب، رغم مكانته التقليدية كملاذ آمن، خسر جزءا من جاذبيته في هذه المرحلة لصالح العملة الأمريكية. فالمستثمرون يرون أن الحرب في الشرق الأوسط، بدلا من أن تدعم الذهب، قد تؤدي إلى رفع تكاليف الطاقة وإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يضغط عادة على الأصول غير المدرة للعائد. وبذلك، أصبح الدولار المستفيد الأول من القلق الجيوسياسي، بينما تحول الذهب إلى ضحية غير مباشرة لعودة الرهانات على التشدد النقدي.
الدولار والفائدة في قلب المشهد
العامل المشترك بين تحركات النفط والذهب هو أن السوق لم تعد تنظر فقط إلى الحرب في بعدها العسكري، بل إلى آثارها الاقتصادية أيضا. فارتفاع النفط فوق 100 دولار يعزز توقعات التضخم، ويقلص آمال الأسواق في خفض قريب للفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي. وهذا ما يفسر في الوقت ذاته صعود الدولار، وتراجع الذهب، وعودة القلق إلى الأسهم والسندات. وبحسب رويترز، فإن الأسواق باتت تتحدث حتى عن احتمالات ميل أكبر نحو التشدد النقدي عالميا إذا استمر اضطراب الطاقة.
المعادن الأخرى تواصل الهبوط
ولم يكن الذهب وحده تحت الضغط، إذ تراجعت أيضا باقي المعادن النفيسة، مع هبوط الفضة بنسبة 3.4%، والبلاتين 2.1%، والبلاديوم 2.7%. وهذا النزول الجماعي يعكس أن السوق تتعامل مع المشهد الحالي باعتباره بيئة غير مريحة للمعادن الثمينة عموما، خاصة مع صعود الدولار وتراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول الحساسة للفائدة والطلب الصناعي.
ماذا يعني ذلك للمغرب؟
بالنسبة للمغرب، فإن عودة النفط إلى الصعود فوق 100 دولار تبقى العامل الأكثر حساسية، لأن أي ارتفاع مستمر في الأسعار العالمية يهدد بضغط إضافي على كلفة الاستيراد والمحروقات والنقل. أما تراجع الذهب، فرغم أهميته في الأسواق العالمية، فإن أثره المحلي المباشر أقل من أثر النفط. لذلك، فإن ما يهم المستهلك المغربي أكثر في هذه المرحلة هو ما إذا كان انتعاش النفط سيستمر، أم أن السوق ستشهد موجة هبوط جديدة إذا ظهرت مؤشرات حقيقية على انفراج الأزمة. وهذا يظل، حتى الآن، سؤالا مفتوحا على تطورات الخليج ومضيق هرمز بالدرجة الأولى.
