بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
ليست العلاقات المغربية الأمريكية مجرد شراكة دبلوماسية عابرة أو تقاطع مصالح ظرفي، بل هي علاقة ضاربة في عمق التاريخ، تمتد جذورها إلى اللحظة التأسيسية للولايات المتحدة الأمريكية نفسها. فحين كانت الجمهورية الأمريكية الفتية تبحث عن اعتراف دولي يثبت وجودها على خارطة العالم، كان المغرب، سنة 1777، أول دولة تعترف باستقلالها، فاتحًا بذلك صفحة صداقة استثنائية لا تزال مستمرة منذ ما يقارب قرنين ونصف.
ويعود هذا القرار التاريخي المبكر إلى حكمة وبعد نظر السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث)، أحد أعظم ملوك المغرب، الذي كان يحكم المملكة آنذاك، والذي جسّد من خلال هذا الموقف رؤية دبلوماسية متقدمة، جعلت من المغرب فاعلًا دوليًا واعيًا بتحولات عصره. وقد شكّل هذا الاختيار الاستراتيجي تعبيرًا صادقًا عن فطنة ملوك الدولة العلوية، وتبصرهم في إدارة شؤون الدولة، وحبهم العميق لشعبهم ووطنهم، وحرصهم على ترسيخ مكانة المغرب كدولة ذات سيادة واحترام في محيط دولي متغير.
هذا البعد التاريخي العميق عاد إلى الواجهة بقوة خلال الاحتفال الذي نظمه الكونغرس الأمريكي، حيث احتُفي بالمغرب داخل أحد أهم رموز الديمقراطية الأمريكية، في مشهد نادر يعكس المكانة الخاصة التي تحظى بها المملكة لدى صناع القرار في واشنطن، عبر مختلف الانتماءات الحزبية والسياسية.
- اعتراف تاريخي يؤسس لتحالف طويل الأمد
إن القرار الذي اتخذه المغرب بالاعتراف باستقلال الولايات المتحدة لم يكن مجرد خطوة بروتوكولية، بل كان اختيارًا استراتيجيًا مبكرًا، جسّد رؤية مغربية منفتحة على العالم، ومؤمنة بأهمية التوازنات الدولية وبناء الشراكات بعيدة المدى. وقد أسّس هذا الاعتراف لعلاقة فريدة، جعلت من المغرب أقدم شريك دبلوماسي للولايات المتحدة، وهي حقيقة يحرص المسؤولون الأمريكيون أنفسهم على التذكير بها في كل محطة مفصلية.
وخلال الاحتفال الأخير، شدد عدد من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب على رمزية هذه العلاقة، مؤكدين أن المغرب كان، في لحظة تاريخية حاسمة، من بين قلة من الدول التي راهنت على الولايات المتحدة ودعمت شرعيتها الدولية، وهو ما يضفي على الصداقة بين البلدين بعدًا أخلاقيًا وتاريخيًا يتجاوز منطق المصالح الآنية.
- شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد
غير أن قوة العلاقات المغربية الأمريكية لا تستمد مشروعيتها من التاريخ فقط، بل من قدرتها على التجدد والتكيف مع التحولات الجيوسياسية العالمية. فقد تحولت هذه الصداقة العريقة إلى شراكة استراتيجية متكاملة تشمل مجالات حيوية، من الأمن والدفاع إلى الاقتصاد والتجارة، مرورًا بالتنسيق السياسي والدبلوماسي.
ويبرز المغرب اليوم كحليف موثوق للولايات المتحدة في منطقة تعج بالتحديات، سواء تعلق الأمر بمكافحة الإرهاب، أو ضمان الاستقرار الإقليمي، أو تأمين الممرات الاستراتيجية. وليس من قبيل الصدفة أن يكون المغرب البلد الإفريقي الوحيد المرتبط باتفاقية للتبادل الحر مع واشنطن، أو أن يحتضن أكبر تمرين عسكري مشترك في القارة الإفريقية.
- الإجماع الأمريكي على أهمية المغرب
اللافت في الاحتفاء الذي نظمه الكونغرس الأمريكي هو الإجماع السياسي الذي عكسه الحضور الوازن من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. فقد أجمع المتدخلون على أن المغرب يشكل ركيزة أساسية في السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا ومنطقة شمال إفريقيا، وأن هذه العلاقة مرشحة لمزيد من التطور في ظل عالم يتسم بعدم اليقين وتزايد التحديات العابرة للحدود.
كما أن تأكيد مسؤولين أمريكيين على أن المغرب لا يزال، بعد نحو 250 عامًا، من أقدم وأوثق حلفاء الولايات المتحدة، يعكس إدراكًا عميقًا للدور الذي تلعبه المملكة كفاعل إقليمي متزن، قادر على الجمع بين الاستقرار الداخلي والانخراط الدولي الفاعل.
- رؤية ملكية تؤطر استمرارية الشراكة
في هذا السياق، لا يمكن فصل متانة العلاقات المغربية الأمريكية عن الرؤية الاستراتيجية التي تبناها ملوك الدولة العلوية عبر التاريخ، والتي جعلت من الانفتاح المتوازن وبناء التحالفات خيارًا سياديًا ثابتًا، تجسيدًا لفطنتهم السياسية وتبصرهم في صون مصالح الوطن والدفاع عن كرامة الشعب المغربي.
وقد تعزز هذا النهج في العهد الحديث، تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيّده، حيث جرى تثبيت الشراكة مع الولايات المتحدة كخيار استراتيجي لا رجعة فيه، مع تكييفها باستمرار مع متطلبات العصر، دون التفريط في أسسها التاريخية القائمة على الثقة والاحترام المتبادل.
ويُعد الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية أحد أبرز تجليات هذا التقارب المتقدم، ودليلًا على مستوى التفاهم الاستراتيجي الذي بلغه البلدان في القضايا الجوهرية.
- صداقة تتجاوز الماضي نحو المستقبل
إن الاحتفاء بالمغرب داخل الكونغرس الأمريكي ليس مجرد استذكار للماضي، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الصداقة المغربية الأمريكية لا تزال حية وفاعلة، وقادرة على إنتاج شراكات جديدة تستجيب لتحديات المستقبل. فبعد 250 سنة من العلاقات المتواصلة، يبدو أن ما تحقق ليس سوى تمهيد لمسار تصاعدي من التعاون، لا تحده الجغرافيا ولا تعرقله التحولات الدولية.
هكذا، تظل الصداقة المغربية الأمريكية حالة فريدة في العلاقات الدولية: صداقة وُلدت مع ميلاد الولايات المتحدة، ونضجت عبر الزمن، وتواصل اليوم كتابة فصول جديدة من شراكة لا تعرف حدودًا.
