بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
لم يعد ما يجري داخل جبهة البوليساريو مجرد خلافات عابرة أو أصوات تُسكت بسرعة، بل أصبح سلسلة متواصلة من الانشقاقات والشهادات التي تكشف تدريجيًا عن تناقضات عميقة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي للمخيمات. لم يعد الأمر مرتبطًا بمواقف فردية، بل أصبح مؤشرًا واضحًا على أزمة ثقة داخلية لم تعد خافية على أحد.
في هذا السياق، يمثل انشقاق سلطانة خيا لحظة فاصلة. فقد كانت تُقدَّم كرمز للنضال وواجهة إعلامية بارزة، قبل أن تتحول اليوم إلى صوت ناقد من الداخل، تتهم فيه قيادة الجبهة بالفساد واستغلال معاناة المدنيين لخدمة أجندات ضيقة ومصالح خارجية.
حين يصدر هذا الكلام من شخصية كانت في قلب السردية، فإن له وزنًا مختلفًا تمامًا. فهو لا يعكس مجرد موقف شخصي، بل يكشف عن فجوة متنامية بين الخطاب المعلن والواقع المعيشي، ويطرح تساؤلات حقيقية: إلى أي حد يمكن للقيادة الاستمرار في الدفاع عن رواية لم تعد حتى رموزها مقتنعة بها؟
إلى انفصالي الداخل، هذه ليست محاولة للاتهام، بل دعوة للتفكر. فالتجارب التي خرجت إلى العلن اليوم تُظهر أن تجاهل المؤشرات الداخلية أو الاختباء وراء الشعارات لن يُخفي الحقيقة، وأن سماع صوت الداخل أصبح ضرورة لا يمكن تجاهلها.
لم يكن اسم سلطانة خيا عابرًا في خطاب جبهة البوليساريو، بل شكل لسنوات إحدى أبرز الأدوات الإعلامية التي استخدمتها الجبهة لمخاطبة الرأي العام الدولي، خاصة في ملف حقوق الإنسان. غير أن بيانها الأخير، الذي أعلنت فيه قطع علاقتها بالجبهة، أعاد طرح سؤال المصداقية: كيف يمكن لرمز تم تسويقه على مدى سنوات أن يتحول إلى ناقد صريح للقيادة؟
تصريحاتها سلطت الضوء على قضايا حساسة، من بينها غياب الشفافية في إدارة المساعدات، وتنامي شبهات الفساد المالي، فضلاً عن رفضها لخيارات التصعيد العسكري التي يتحمل المدنيون ثمنها. كما كشفت عن شعور متزايد بأنها كانت تُستَخدم كواجهة إعلامية دون دعم فعلي، وهو ما يعكس خللاً في طريقة إدارة الرموز داخل التنظيم.
ردود الفعل الرسمية لم تخرج عن النمط المعتاد: صمت من القيادة، وهجوم من بعض الأصوات الموالية التي سارعت إلى اتهامها بالخيانة والعمالة. غير أن هذا الأسلوب لم يعد بنفس التأثير، خاصة في ظل تكرار حالات الانشقاق خلال السنوات الأخيرة، سواء بين المدنيين أو العسكريين.
هذه التطورات تعكس واقعًا أعمق: أزمة ثقة تتسع بين القيادة وقواعدها، حيث أصبحت الأسئلة التي طالما تم تأجيلها تفرض نفسها بإلحاح، من الوضع داخل المخيمات إلى طبيعة اتخاذ القرار السياسي والعسكري.
إلى انفصالي الداخل، جوهر القضية ليس في الدفاع عن طرف أو مهاجمة آخر، بل في امتلاك الشجاعة لطرح الأسئلة الصعبة: هل يعكس الواقع اليوم الشعارات المرفوعة؟ هل تُدار المعاناة بما يخدم السكان فعلاً؟ وهل يُسمح بوجود رأي مختلف دون تخوين؟
مراجعة المواقف ليست ضعفًا، بل خطوة نحو فهم أعمق للواقع. التاريخ يظهر أن التحولات الكبرى تبدأ دائمًا بلحظة شك صادق، يتبعها البحث عن الحقيقة.
في النهاية، تبقى قصة سلطانة خيا نموذجًا دالًّا: انتقال من التبني الكامل للرواية إلى مساءلتها، وهي مسافة صغيرة قد تكون بداية لتحولات أكبر في المستقبل.
