بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في عصرٍ تتسارع فيه الإيقاعات اليومية بشكل غير مسبوق، أصبح الإنسان يعيش تحت ضغط الزمن أكثر من أي وقت مضى. فالتكنولوجيا الحديثة، ووسائل التواصل الفورية، وثقافة الاستهلاك السريع، كلها أسهمت في تشكيل نمط حياة قائم على الاستجابة العاجلة والرغبة في الإشباع الفوري. وسط هذا الواقع المتسارع، يبرز الصيام باعتباره تجربة إنسانية وروحية عميقة تعيد للإنسان توازنه، وتُعيد تعريف علاقته بالوقت والرغبة والصبر.
- الصيام كفلسفة تأجيل الرغبة
يقوم الصيام في جوهره على الامتناع الإرادي عن حاجات أساسية مثل الطعام والشراب، وهو ما يجعله تمرينًا عمليًا على تأجيل الإشباع. ففي زمنٍ اعتاد فيه الإنسان الحصول على ما يريد بضغطة زر، يفرض الصيام إيقاعًا مختلفًا: الانتظار. وهذا الانتظار ليس حرمانًا بقدر ما هو تدريب نفسي يعيد بناء القدرة على التحكم في الذات.
علم النفس الحديث يؤكد أن القدرة على تأجيل الرغبات ترتبط بالنجاح الشخصي والاستقرار النفسي، لأن الإنسان الذي يتعلم الصبر يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات متوازنة بعيدًا عن الاندفاع. وهنا يتحول الصيام من مجرد عبادة زمنية إلى مدرسة تربوية تعلّم الانضباط الداخلي.
- مقاومة ثقافة السرعة
يعيش العالم اليوم تحت ما يمكن تسميته بـ”ثقافة السرعة”، حيث تُقاس القيمة بالإنتاج السريع والنتائج الفورية. غير أن هذه الثقافة أفرزت آثارًا جانبية واضحة، مثل التوتر المستمر، وضعف التركيز، وتراجع القدرة على التأمل.
الصيام يقدم نموذجًا معاكسًا؛ إذ يبطئ الإيقاع اليومي ويمنح الإنسان فرصة لإعادة ترتيب أولوياته. فبدل الانشغال الدائم بالاستهلاك، يجد الصائم نفسه أقرب إلى التأمل، وإلى إعادة تقييم علاقته بالذات وبالآخرين. وهنا يصبح الصيام لحظة مقاومة هادئة ضد ضغط الحياة المتسارعة.
- البعد الاجتماعي للصبر
لا يقتصر أثر الصيام على الفرد فقط، بل يمتد إلى المجتمع. فالإحساس بالجوع يخلق نوعًا من التعاطف مع الفئات الأقل حظًا، ويعزز قيم التضامن والتكافل. وفي زمن الفردانية المتزايدة، يعيد الصيام إحياء الشعور الجماعي، حيث تتوحد التجربة الإنسانية حول معنى مشترك هو الصبر.
كما أن موائد الإفطار الجماعية والعادات الاجتماعية المرتبطة بالصيام تعيد بناء الروابط الاجتماعية التي أضعفتها الحياة الرقمية السريعة.
- الصيام وإعادة اكتشاف الزمن
أحد أهم التحولات التي يحققها الصيام هو تغيير نظرة الإنسان إلى الزمن نفسه. فالوقت لم يعد مجرد سباق نحو الإنجاز، بل يصبح مساحة للهدوء والوعي. الانتظار حتى موعد الإفطار، والاستيقاظ للسحور، وتنظيم اليوم حول لحظات محددة، كلها تجعل الإنسان يعيش الزمن بوعي أكبر بدل أن ينجرف داخله.
- خاتمة
في زمن السرعة المفرطة، يبدو الصيام وكأنه دعوة سنوية لإعادة التوازن بين الجسد والروح، وبين الرغبة والصبر. إنه ليس فقط امتناعًا عن الطعام، بل تمرين حضاري يعيد للإنسان قدرته على التمهل والتأمل وضبط النفس. ولذلك يمكن القول إن الصيام يظل مدرسة متجددة للصبر، تذكّر الإنسان بأن القوة الحقيقية لا تكمن في السرعة، بل في القدرة على الانتظار الواعي.
