السيول تختبر الوطن… المغرب والمغاربة ينجحون في الامتحان

مجتمع

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

تعيش عدد من مدن ومناطق الشمال والغرب المغربي، وفي مقدمتها القصر الكبير، تازة، سهل الغرب وسيدي سليمان، على وقع ظروف مناخية استثنائية تميّزت بتساقطات مطرية غزيرة وارتفاع مقلق في منسوب الأودية، ما أدى إلى فيضانات هددت سلامة المواطنين وممتلكاتهم. غير أن هذه المحنة، ورغم قسوتها، كشفت مرة أخرى عن جاهزية الدولة المغربية وقدرتها على التدخل السريع والمنسق، وعن روح تضامن مجتمعي متجذّرة لا تخطئها العين.

منذ الساعات الأولى لارتفاع منسوب المياه، دخلت السلطات المحلية والإقليمية في حالة استنفار قصوى، حيث تم تفعيل خطط الطوارئ بشكل عاجل، وإجلاء السكان من المناطق المهددة، خاصة في مدينة تازة التي شهدت إخلاء عدد من المنازل المجاورة لوادي الأربعاء ووادي الدفالي، في عملية اتسمت بالتنظيم والحرص على سلامة الأرواح، وتحت إشراف ميداني مباشر لممثلي السلطة الإقليمية والأمنية.

وفي مدينة القصر الكبير، حيث بلغت المخاطر مستويات غير مسبوقة، تعاملت السلطات مع الوضع بمنتهى الجدية والمسؤولية، إذ جرى التحضير لسيناريو الإخلاء الكامل كإجراء وقائي استباقي، مع اتخاذ قرارات شجاعة وصعبة من قبيل قطع بعض الخدمات الحيوية مؤقتًا، تفاديًا لأي خسائر بشرية محتملة. وهي قرارات تعكس تغليب منطق حماية الأرواح على كل الاعتبارات الأخرى، مهما كانت كلفتها.

كما تم تجهيز مراكز إيواء مؤقتة، من بينها مخيم ضخم بمدخل مدينة العرائش يضم آلاف الخيام المجهزة بالأفرشة والإنارة والمرافق الصحية، إلى جانب مطبخ ميداني تابع للقوات المسلحة الملكية، ما وفّر للمتضررين ظروف استقبال إنسانية تحفظ كرامتهم وتؤمّن احتياجاتهم الأساسية في هذه المرحلة الدقيقة.

إلى جانب الجهد الرسمي، برز الوجه المشرق للمجتمع المغربي، حيث جسّد المواطنون أسمى معاني التضامن والتكافل. شباب تطوّعوا بوسائلهم الخاصة، من دراجات مائية وزوارق صغيرة، وسائقو شاحنات وجرارات فتحوا الطريق أمام فرق الإنقاذ، ومبادرات فردية عرض فيها مواطنون من مناطق أخرى استقبال الأسر المتضررة وإيواءها إلى حين انفراج الأزمة. لوحة وطنية جامعة أكدت أن روح “تامغرابيت” تتجدد كلما دعت الحاجة.

ولا يمكن إغفال الدور المحوري لرجال الوقاية المدنية، و الدرك الملكي والقوات المساعدة، والأمن الوطني، وأعوان السلطة، و الادارات المعنية الذين واصلوا عملهم ليلًا ونهارًا وسط ظروف صعبة، معرضين أنفسهم للخطر من أجل إنقاذ الأرواح وتأمين المناطق المهددة، في صورة تعكس احترافية عالية وإحساسًا عميقًا بالمسؤولية الوطنية.

إن هذه الكارثة الطبيعية، رغم ما خلّفته من خوف وقلق، أثبتت أن المغرب راكم تجربة مهمة في تدبير الأزمات والكوارث، تقوم على الاستباق، والتنسيق بين مختلف المتدخلين، والتواصل مع الساكنة، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

ويبقى الرهان بعد انحسار الفيضانات هو الانتقال من التدبير الاستعجالي إلى معالجة الأسباب البنيوية، عبر تقوية البنية التحتية، وتأهيل مجاري الأودية، وتعزيز سياسات الوقاية، حتى تتحول هذه المحنة إلى فرصة لمزيد من الصمود والاستعداد للمستقبل.

في لحظات الشدة، تتجلى قوة الدول في حماية مواطنيها، وتتجلّى قوة الشعوب في تماسكها. وما شهده المغرب خلال هذه الفيضانات يؤكد أن الدولة والمجتمع، حين يتكاملان، قادران على تجاوز أقسى الاختبارات.