بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
يواصل المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، ترسيخ مكانته كقوة لوجستية صاعدة على المستويين الإقليمي والدولي، من خلال سياسة مينائية طموحة تشكل إحدى الدعائم الأساسية للنموذج التنموي الوطني. فقد أضحت الموانئ المغربية اليوم رافعة استراتيجية للاقتصاد الوطني، وجسراً حيوياً يربط بين إفريقيا وأوروبا وباقي دول العالم.
ومنذ مطلع الألفية الثالثة، شهدت السياسة المينائية بالمملكة تحولاً نوعياً، انتقلت معه من منطق التدبير التقليدي للموانئ إلى مقاربة شمولية ومندمجة، تقوم على الاستثمار في البنيات التحتية الكبرى، وتحسين الحكامة، وجذب الاستثمارات الدولية، بما ينسجم مع الرؤية الملكية المتبصرة الرامية إلى إعادة تموقع المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية.
وفي هذا الإطار، يبرز مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط كأحد أهم الأوراش الاستراتيجية التي تعكس عمق هذا التوجه. فالميناء، الذي يُقام على الواجهة المتوسطية الشرقية للمملكة، يستفيد من موقع جغرافي استثنائي بالقرب من مضيق جبل طارق، ما يجعله مؤهلاً للاضطلاع بدور محوري في حركة الملاحة والتجارة البحرية الدولية. وباستثمارات تفوق 51 مليار درهم، وطاقة استيعابية تصل إلى 5 ملايين حاوية و35 مليون طن من البضائع سنوياً، يعزز المشروع العرض المينائي الوطني ويكرس طموح المغرب في منافسة أكبر الموانئ المتوسطية.
ولا يقتصر ميناء الناظور غرب المتوسط على كونه منصة لعبور البضائع، بل يشكل قطباً اقتصادياً متكاملاً، بفضل احتضانه لمناطق صناعية ولوجستية تمتد على حوالي 700 هكتار، موجهة لاستقطاب الاستثمارات الصناعية والخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة العالية. ويُنتظر أن يسهم هذا القطب في خلق فرص شغل مهمة، وتنشيط الاقتصاد المحلي والجهوي، وتعزيز إدماج الاقتصاد المغربي في الشبكات الإنتاجية العالمية.
وتتجلى الرؤية الملكية كذلك في البعد الطاقي للمشروع، حيث يُرتقب أن يحتضن الميناء محطة للغاز الطبيعي المسال بطاقة تناهز 5 مليارات متر مكعب سنوياً، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تنويع مصادر التزود بالطاقة، وتعزيز الأمن والسيادة الطاقية للمملكة، ودعم الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون، انسجاماً مع التزامات المغرب البيئية الدولية.
ويأتي هذا المشروع ليكمل النجاحات التي حققها المغرب في مجال الموانئ عبر مختلف ربوع المملكة، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح منصة لوجستية عالمية من الطراز الأول، ومثالاً ناجحاً على قدرة المغرب على تنفيذ مشاريع كبرى وفق المعايير الدولية. كما تندرج مشاريع موانئ أخرى، مثل آسفي والجرف الأصفر وأكادير والداخلة، ضمن رؤية متكاملة تروم تحقيق توازن مجالي وتعزيز التنمية الشاملة.
وعلى الصعيد القاري والدولي، عززت السياسة المينائية للمغرب دوره كحلقة وصل استراتيجية بين القارة الإفريقية وأوروبا، وكمحور رئيسي في المبادلات التجارية جنوب/شمال. كما أضحت الموانئ المغربية بوابة مفضلة للعديد من الدول الإفريقية غير المطلة على البحر، ما يعكس المكانة الجيو اقتصادية المتقدمة التي باتت تحتلها المملكة، ويترجم التوجه الملكي نحو شراكات إفريقية قائمة على التعاون جنوب/جنوب والتنمية المشتركة.
إن ما تحقق في المجال المينائي يعكس بوضوح مسار التطور الشامل الذي يشهده المغرب، حيث تلاقت الرؤية الملكية، والاستقرار المؤسساتي، وجودة البنيات التحتية، مع جاذبية مناخ الأعمال، لتجعل من المملكة فاعلاً موثوقاً على الساحة الدولية، وقوة صاعدة في مجالات اللوجستيك، والصناعة، والطاقة.
وفي المحصلة، تؤكد السياسة المينائية المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، أن الرهان على الاستثمار الاستراتيجي والبنية التحتية المتقدمة يشكل خياراً حاسماً لبناء اقتصاد قوي ومندمج، قادر على مواجهة تحديات العولمة، وترسيخ موقع المغرب كمنصة إقليمية ودولية للتجارة والاستثمار والتنمية المستدامة.


التعاليق (0)