في قلب مدينة أكادير، وبمناسبة حلول السنة الأمازيغية الجديدة 2976، احتضنت قاعات أحد الفنادق الكبرى يوم الأربعاء 28 يناير 2026، ندوة علمية رفيعة المستوى تحت موضوع “الأمازيغية في قلب المجتمع الديمقراطي الحداثي المغربي”.

هذه الندوة التي نظمتها جمعية خريجي شعبتي التاريخ والجغرافيا (أفواج 94/95/96) تحت شعار “الأمازيغية رمز التلاقح الثقافي”، جاءت لتعيد قراءة المكون الأمازيغي برؤية أكاديمية رصينة تربط الماضي العريق بتحديات المستقبل.

افتتح رئيس الجمعية، أحمد أمهلال، اللقاء بالتأكيد على أن الاحتفاء بـ “إيض يناير” يتجاوز البعد الاحتفالي ليشكل تجسيداً للاعتزاز بالهوية المغربية المتعددة الروافد. وأوضح أمهلال أن هذه الندوة تنعقد في سياق وطني تاريخي يتسم بالرعاية الملكية السامية، خاصة بعد القرار الملكي التاريخي بجعل رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية، مما يفتح آفاقاً جديدة لتعزيز حضور الأمازيغية في المؤسسات التعليمية والفضاءات الإعلامية.

من جانبه، غاص الأستاذ الجامعي الحسين بويعقوبي في عمق العلاقة بين الأنثروبولوجيا والتاريخ، متسائلاً عن قيمة “التاريخ الشفوي” للمجتمعات التي لم تعتمد الكتابة في تدوين أثرها. وأكد البويعقوبي أن احتفالات “إيض يناير” تعكس حالة متقدمة من التثاقف والتفاوض التاريخي بين الثقافة الأمازيغية العريقة والثقافات الوافدة (الرومانية، المسيحية، والإسلامية)، مشيراً إلى أن البحث العلمي اليوم مطالب باستنطاق الذاكرة الشفوية لتعويض غياب الوثيقة المكتوبة في مراحل تاريخية معينة.

وفي سياق متصل، قدم الباحث أحمد بومزكو رؤية نقدية حول إنتاج المعرفة التاريخية، محذراً من “تنميط الهوية” أو تقديم صور مجتزأة عنها بسبب التخصصات الأحادية. وانتقد بومزكو ارتهان المؤرخين قديماً لرقابة الدولة على الذاكرة وتأثير المد القومي العربي الذي همش التعدديات المحلية. ودعا إلى ضرورة استثمار الحس النقدي والتحرر من الكتابات الكولونيالية لتقديم تاريخ مغربي يصافح الحقيقة ويواكب طفرة العلوم الحديثة.
كما شهدت الندوة مداخلات قيمة حول “الأبعاد الرمزية” للاحتفاء بالأرض مع الباحث عمر إد ثنين، الذي ربط بين الثقافة الأمازيغية وقيم العدالة الثقافية وتدبير الموارد عبر الأنظمة العرفية الأصيلة مثل “إيكودار”. فيما سلطت الباحثة فاطمة بومارت الضوء على “العمق الإفريقي لسوس”، مبرزة الجذور المشتركة بين الهوية الأمازيغية والأصول الكناوية عبر نموذج “إسمكان إنزكان”.

واختتمت المداخلات بعرض لمحمد أمداح حول الاحتفالات الفلاحية، مستعرضاً التراكم المعرفي والجمعوي الذي حققته الجامعة الصيفية بأكادير وجمعيات وطنية أخرى. وأشار أمداح إلى أن التراث الثقافي الأمازيغي، بما يضمه من ذاكرة شعبية وطقوس عريقة، يعد محركاً أساسياً للتنمية المستدامة، خاصة وأن المغرب مقبل على رهانات دولية كبرى ككأس العالم 2030، بعد تنظيم ناجح لكأس إفريقيا 2025 حيث ستكون الهوية الوطنية هي الواجهة الأبرز للمملكة أمام العالم.
الندوة التي عرفت حضوراً وازناً للأكاديميين والباحثين، و اختتمت أشغالها بتكريم عدد من الأساتذة الأجلاء، تقديراً لمساراتهم الحافلة في خدمة البحث العلمي، لتظل الأمازيغية، كما أكد المشاركون، صمام أمان للتعددية والديمقراطية في المغرب الحديث.

