Agadir24
الجريدة الإلكترونية الأولى في الجنوب

خطاب الفجوة الرقمية …خطاب تمويه ومغالطة وخداع

أكادير24 | Agadir24

 

شاع القول عند المؤرخين ان القرن الحادي والعشرين هو القرن الفاصل بين حقبتين تاريخيتين متميزتين، ما قبل الثورة المعلوماتية وما بعدها، فقد بلغ اتساع الثورة الرقمية وتغلغلها في ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية والتكنولوجية انها باتت تتدخل في تفاصيل الحياة اليومية للأفراد والجماعات والدول والامم حتى صار يمكن القول بان عصرنا هذا هو عصر الثورة الرقمية بامتياز، لكن في المجتمعات النامية و المتخلفة تجد تفاوتا شاسعا في المسافة التي تفصلها عن طليعة الركب الرقمي مما ادى الى بروز هوة او فجوة رقمية بين المجتمعات المتقدمة والاخرى النامية، وتنعت هذه الهوة او الفجوة باسم “الفجوة الرقمية”.

شاع مصطلح الفجوة الرقمية على كل الالسنة بين البشر وانتشر صداها في الكليات والجامعات والمدارس والمراكز العلمية والبحثية وتستعمل عند العديد من المنظمات الدولية والشركات العالمية المتعددة الجنسية، وبالأساس عند المهتمين بقضايا التنمية المعلوماتية حتى بدا الامر كما لو كان صرعة او موضة. و كل من لا يجاري هذه الموضة الرقمية يكون مغردا خارج السرب.

“الفجوة الرقمية” مصطلح شائع في خطاب التنمية المعلوماتية ويقصد بها تلك الهوة الفاصلة بين الدول المتقدمة والدول النامية في النفاذ الى مصادر المعلومات والمعرفة والقدرة على استغلالها للأغراض التنمية، وعند خبراء التكنولوجيات المعلوماتية الفجوة الرقمية هي (درجة التفاوت في مستوى التقدم سواء بالاستخدام او بالإنتاج في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بين بلد واخر او تكتل واخر او بين قارة واخرى)، و هي(مجموع حالات اللامساواة المرتبطة بميدان ما يسمى بتكنولوجيا الاعلام والاتصال الجديدة… اوهي حالات لا مساواة في استخدام او بلوغ الهواتف النقالة وشبكة الانترنيت …)د. يحيى اليحياوي.

لتبسيط المفهوم وتقريبه اكثر فان الفجوة الرقمية تقاس اعتمادا على معايير من قبيل: التوسع في الربط الالكتروني – نشر التعليم الالكتروني والتعليم عن بعد – تنمية الاعمال الالكترونية-استخدام التقنية الرقمية في الخدمات – تنمية صادرات البرمجيات…

ان كل هذه التعاريف السالفة تحاول ان تسوق الفجوة الرقمية وتقديمها على انها مشكلة تكنولوجية صرفة تتجسد في نقص في الاجهزة التكنولوجية وشبكات المعلومات والاتصالات دون الربط بينها وبين اي بعد اجتماعي او ثقافي او سياسي باي شكل او باي درجة وسواء داخل المجتمع الواحد او بين المجتمعات، ومن تم فان هذه التعريفات وما شابهها تحاول ان تزرع لذى متلقيها قناعة خادعة بان الفجوة الرقمية مقطوعة الصلة بالاطار الاجتماعي او السياسي او الثقافي السائد في المجتمع. انه خطاب خادع ومغالط للحقيقة، واوجه الخداع في هذا الخطاب تسويقه على ان مشكلة ” الفجوة الرقمية” هي مشكلة تكنولوجية تقنية صرفة، فكيف ذلك؟

  • اولا انه خطاب يجعل من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات غاية في حد ذاتها، وهذا خداع ما بعده خداع، فالتكنولوجيا بكل ادواتها ما هي الا وسيلة او اداة يتم اقتناؤها وتحتاج الى اطار اعم واشمل يضمن توظيفها بالشكل الذي يحقق اهداف من يقتنيها ويلبي احتياجاته الحقيقية. ان التقنية وعالمها ليسا اجهزة كمبيوتر او هواتف نقالة او شبكات الانترنيت فقط، فهذا ليس في النهاية سوى المشهد الاخير للتقنية، اما المشهد الاول فهو البنية التحتية القائمة على مراكز البحث العلمي والجامعات الحديثة المزودة بالإمكانات البشرية والعلمية المتطورة، والمناخ السياسي الملائم لوضع القوانين والتشريعات الكفيلة بتهيئ وتكوين الرأسمال البشري حتى يقوم بمهام البحث والتطوير.
  • ثانيا انه خطاب يجعل من “الفجوة الرقمية” الكل والاصل والبدء، فحل مشاكل الفقر في نظر خدام ودعاة الحياة الرقمية هو المزيد من التكنولوجيا، وحل مشاكل العولمة هو المزيد من امتلاك القدرات العلمية التكنولوجية، وحل مشاكل المجتمع من البطالة والامراض والجهل والامية تتطلب من اصحاب الرؤية الاجتماعية الشاملة ان ينسحبوا الى الخلف ويسلموا زمام القيادة للتكنوقراط من اهل التكنولوجيا المعلوماتية وعبدة الآلات. وهذا هو الخداع والمكر بعينه الذي يروجه عباد التكنولوجيا الرقمية.

ان الفجوة الرقمية هي الفرع والمظهر الخادع لخطاب التنمية المعلوماتية، فحين نجد شعبا لا يملك كل افراده او بعضه اجهزة الكترونية او خدمات الكترونية او لا يتوفرون على وسائل الرفاهية الالكترونية الحديثة وغيرها من وسائل الحياة الرقمية الحديثة فبالتأكيد ان مجتمعهم يعاني العديد من الفجوات (فجوة الفقر – فجوة العمل – فجوة التعليم – فجوة الرعاية الصحية – فجوة السكن – فجوة الغذاء – فجوة الدخل – وفوق طبقة فجوات الفقر تطفو طبقة الفجوات السياسية والاقتصادية والتعليمية والعلمية…

أ-الفجوة السياسية تفرز الفقر في الحرية والعدالة واحترام حقوق الانسان، ولا تسمح لحرية تداول المعلومات بل تعتقل المعلومة والحقيقة بترسانة من القوانين المقيدة لتداولها مستندة على إرث بيروقراطي عتيد يمنعها من الدوران والتداول بحرية داخل المجتمع. اذن لا حل للفجوة الرقمية بدون اشاعة الديموقراطية وزيادة مساهمة الجماهير في صنع القرار السياسي و في توفير الظروف والشروط الكفيلة بالنهوض بالقدرات والكفاءات لضمان تملك جماعي واع للتكنولوجيا.

ب- الفجوة الاجتماعية وتجسد عدم المساواة في توزيع الثروة وفي التفاوت في مستوى التعليم والصحة والسكن، لذا لابد من توفير الشروط الاجتماعية والثقافية التي تساعد على توطين التكنولوجيا في التربة المحلية. وعندما ننقل تكنولوجيا ما الى مجتمع بعينه دون ان تكون ذات صلة وثيقة بالعلم الفاعل والنافع في هذا المجتمع او بالحاجات الاساسية لهذا المجتمع فإنها تكون تكنولوجيا ” مظهرية” او “تكنولوجيا بلا جذور” الامر الذي يستوجب استلهام سياسات تكنولوجية تستجيب لحاجات وخصوصيات المجتمع الذي يتعامل مع التكنولوجيا.

ج-الفجوة الاقتصادية المتمثلة في ضعف الدخل الفردي والدخل العام وفي هشاشة القواعد الانتاجية داخل الاقتصاد، و”الفجوة الرقمية” هي مشكلة سوسيو اقتصادية حيث لابد من حل هذه الفجوات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكونها شرطا لحل الفجوة الرقمية.

د-الفجوة العلمية والثقافية وما تسببت فيه من تراجع قيم العلم والبحث والتطوير وانتشار الامية وتدهور اداء المؤسسات التعليمية، وتراجع الاهتمام بالثقافة والشأن العام وشيوع الثقافة السطحية والاندفاع نحو القيم الاجنبية.

لذا فانه في ظل وجود هذه الفجوات جميعا لابد من التأكيد على ان الفجوة الرقمية ليست سوى فرع جذوره في الفجوات السابقة.

التكنولوجيا الرقمية وغزو العقول والقيم

لاشك ان الثورة التقنية هي حدث بالغ الاهمية، بل هي بحق “طفرة كيفية” في قدرات الانسان الانتاجية، والحاح اصحاب خطاب الفجوة الرقمية على انشاء شبكات الاتصالات والمعلومات وخدمات الأنترنيت ودفع الناس الى استخدامها بمعزل عن ازالة الفجوة التعليمية والاجتماعية والسياسية والثقافية لا يمكن تصور اي حلول للفجوة الرقمية، والادعاء بان الفجوة الرقمية مشكلة تقنية- اقتصادية تحل بمجرد تمكين الناس من حيازة التكنولوجيا الرقمية هو منهج بلا افق مجتمعي او رؤية ثقافية اجتماعية – سياسية للتغيير والتحديث- جمال محمد غيطاس.

فالنظرة التقنية والاقتصادية الى الحياة الرقمية انما تحول هؤلاء الملايين من البشر الى سوق مثالية لتصريف السلع والبضائع التكنولوجية، لكن الاستنزاف هذه المرة ليست للموارد الرقمية ولكن للعقول والقيم، والغزو اليوم ليس بالبضائع والاجهزة فحسب ولكن بالمحتوى الثقافي الاجنبي الذي يتم تمريره عبر شبكات المعلومات والاتصالات وهو اخطر من الغزو العسكري والاستعماري. ان امتلاك التكنولوجيا الرقمية لا يمكن ان تتقلص الى بعد تقني – اقتصادي علما ان عملية الامتلاك ترتبط ارتباطا وثيقا بمظاهر مجتمعية اخرى كالبحث العلمي والاعلام والتربية والتعليم ….

انطلاقا من هذه المعطيات وهذه الملاحظات الاولية نستنج ان خطاب نقل التكنولوجيا الرقمية هو خطاب تمويه ومغالطة، خطاب عاجز عن اكتشاف الواقع الحقيقي المعقد لمجتمعاتنا بل ان هذا الخطاب ” التقنوي” يخفي جوهره الحقيقي ومن تم يبدو عاجزا عن تقديم مشروع تنموي اوفهم علمي للشروط الاساسية الكفيلة لضمان امتلاك واع للتكنولوجيا.

“الفجوة الرقمية” ليست خلف الفجوة الاقتصادية والاجتماعية اذ الاخيرة سابقة على الاولى بكل المقاييس لكنها تعمقها وتجدرها لدى الذين هم عرضة للفقر والاقصاء فتمسي الفجوة اياها فجوة جديدة .. فجوة بين الاجيال كما يعبر البعض- (د . يحي اليحياوي)

وعن هذه الحداثة الرقمية صرخ نيتشه في وجه ظواهرها السالبة والسلبية في الحياة قائلا ( احذروا من هذا التقدم التكنولوجي الذي لا غاية له الا ذاته، احذروا من حركته الجهنمية التي لا تتوقف عند حد …احذروا من عصر العدمية الذي يعيش فيه الانسان تحت وطأة الالة او هو كالآلة طيعا خاضعا ومستعبدا..) وبنفس الرؤية الانتقادية للحداثة التقنية عبر عالم الاجتماع الالماني ماكس فيبر عن رفضه وتنبيه البشرية الى الجوانب السلبية والخادعة في الحداثة التقنية مبينا ان التقدم التقني المتسارع الى ما لا نهاية قد يصبح غاية بحد ذاته بدلا من ان يكون مجرد وسيلة لإسعاد الانسان، كما حذر من (نزع السحر عن وجه العالم وجعله يبدو كئيبا ).

اذن من العبث تصور اي حلول للفجوة الرقمية بمعزل عن ازالة الفجوات السياسية والاجتماعية والثقافية ، كما انه من العبث الشديد تصور اي حلول للفجوة الرقمية في ظل العلاقات غير المتوازنة بين الدول النامية والمتقدمة او بين دول الشمال والجنوب وعلاقات المصالح الظالمة والضيقة بين الشركات متعددة الجنسيات وقواعدها وامتداداتها الاجتماعية في الدول النامية.(جمال محمد غيطاس).

 

 

محمد بادرة

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا
Loading...