Agadir24
الجريدة الإلكترونية الأولى في الجنوب

حين تتكلم لغة الأقدام

أكادير24 | Agadir24 – دة. خديجة حسيني

 

خلقوا الحدث، وتكلمت لغة الأقدام بتمريرات رياضية موهوبة وبإيماءات جسدية غير سردية لكتيبة أسود الأطلس؛ وتفجرت البراعم اليافعة من مغاربة العالم والكوادر الشابة بملكاتها ومهاراتها الرياضية. هم أبناء أسر مغربية بسيطة ومتوسطة، أجبرتها مصاعب الحياة ومتاعبها على الهجرة بحثا لأبنائها عن مصدر رزق ومستقبل مشرق واعد. شقوا طريقهم ببلاد الغربة وسط حجارة صلبة صماء؛ فكسروا قيود الفقر وحولوا المستحيل إلى حقيقة وظلوا- في الأعماق- مغاربة بالانتماء للوطن الأم. كان الإخلاص شعارهم لحظة الاختيار حين فضلوا اللعب لصالح بلدهم الأصل المغرب رغم أنهم ولدوا بجنسيات أوروبية مختلفة وشبُّوا بدول الإقامة؛ فتعلموا لغتها وانفتحوا على عوالمها وتباينت قصص كفاحهم مع الزمن، مع الحياة، مع الدوام. هي قصص إنسانية متباينة، عنوانها الوفاء للجذور، الإخلاص للوطن، والإيمان بالهُوية المغربية وإعلاء شأن المغرب المجيد؛ فكانت الثقة بالنفس والاحتكام للكفاءة الرياضية ومنح الفرصة للشاب الرياضي الأجدر هي سيدة الموقف والفرجة. هو- إذًا- خطاب رياضي واثق مؤمن ورسالة قوية لا تستصغر الذات الإنسانية؛ لتتوقف السرديات هنا والمحكيات هناك. بلغة الأرقام والأهداف والأقدام بمونديال قطر 2022، دخل المنتخب المغربي غمار التاريخ من أبوابه الشاسعة.

المنتخب المغربي الرائد في قلب مونديال قطر 2022

الآن، التاريخ يكتب وأسود الأطلس زأرت بأداء جيد ومميز وأصوات الجماهير صدحت بصفوف المدرجات هاتفة متعالية؛ فكلنا- اليوم- أبطال. جميعنا مسرورون مبهورون بالصنيع الرياضي للمنتخب المغربي. سجلِ- الآن- يا تاريخ سجلْ، واكتبْ أيها الزمن، واشهدْ للمنتخب المغربي البطل المغوار. اشهدْ يا تاريخ لأسود الأطلس الأبطال، للفهود، للنسور، للصقور على الروح القتالية بملاعب دولة قطر الشقيقة وتحقيق الانتصار بالركلات الترجيحية بمونديال قطر 2022. إنه الفوز الذي راهن به المغرب- البلد العربي والمسلم والإفريقي الوحيد- بكل قوة وعزيمة وجلَد وتحدٍّ- على العبور إلى دور النصف الذهبي النهائي لكأس العالم 2022 بعد انتصاره، منذ انطلاق أولى مباراة له بمونديال قطر 2022- خاضها في الدور الأول ضمن مجموعة صعبة، تضم منتخبات أوروبية عملاقة قوية- فكان الانتصار على أعتى المنتخبات الرياضية العالمية وأعتدها؛ لتدون- بذلك- العناصر الوطنية اسمها بالسجلات العالمية للمستديرة برحلة مثيرة على المنتخب الكرواتي الذي انتهت مقارعته بالتعادل (0-0)؛ فالمنتخب البلجيكي (2-0)، وبعده المنتخب الكندي (2-1). ثم يأتي الدور على فوزه- وبروح رياضية قوية باسلة- على المنتخب الإسباني (3-0)، وعلى من؟ على بطلة العالم لعام 2010- الجارة إسبانيا- بنجوم برشلونة وريال مدريد الصناديد، وأحد أقوى المنتخبات الرياضية في العالم، تخسر أمام أبطال المغرب، أمام أسود الأطلس؛ ليخرج منتخب لاروخا في الدور الثاني من المنافسة الدولية. وليتحقق الانتصار على بحارة البرتغال وقوتهم. البرتغال البعيد القريب من المحيط الأطلسي؛ ولتدون صحيفة المنتخب المغربية عبر تغريدة لها “أسود الأطلس يغرقون بحارة البرتغال ويحلقون لنصف مونديال تاريخي”. أتى الفوز راغما والمنتخب المغربي، يواصل كتابة التاريخ بمونديال قطر 2022 ويحقق فوزا تاريخيا أمام البرتغال بهدف دون رد بالمباراة التي أقيمت بملعب الثمامة يوم السبت 2022/12/10 ضمن منافسات دور الربع الذهبي النهائي لكأس العالم ويعبر- بذلك- إلى دور النصف النهائي لكأس العالم 2022.

فاجأنا المنتخب المغربي الرائد كما فاجأ العالم حين زأرت أسود الأطلس بكل مقابلة رياضية بملاعب دولة قطر وقطار التاريخ يسجل- من جديد- الدور الريادي المشرف الذي أداه أسود الأطلس بالأمس القريب، وكل المغاربة- قاطبة- انتابهم الفخر والاعتزاز بهذا الإنجاز الرياضي العظيم الخالد. إنها إنجازات رائعة، عبرت عن روح المواطنة الصادقة وحب الوطن والواجب الوطني تجاه المغرب البلد العزيز.

لم يخطر على بال أن نون النسوة بوطني المغرب، خلقن الحدث والفرجة والمفاجأة السارة. نون النسوة، كن السباقات- إسوة بإخوانهن الرجال- إلى عالم الفرجة على شاشات التلفزيون بفضاءات المقاهي جميعها ومعالم الفرحة رُسمت على محياهن بكل حماس وغيرة وطنيتين. بصمن للتاريخ، وهن يبحثن- منذ انطلاق أولى مباريات مونديال قطر 2022- عن الفوز وعن اللقب وعن التأهل للدور المقبل؛ وهنا، أدرك الجميع أهمية الرياضة في حياة الشعوب وأنها دليل الوعي والحضارة؛ فالقادم أفضل والتطلع- دوما- للأفضل. وأنا- بدوري- أحيي المغرب العالْ وفي السما هلالْ وأقول: “يا أسود المغرب ورجاله، بكم نفخر ونفاخر العالم؛ فارفع رأسك- اليوم- أيها المواطن فأنت المغربي”.

 

المنتخب المغربي الأسطورة

كانت ملحمة رياضية تاريخية في سابقة لها بالعهد الجديد، سطر لها وليد الركراكي- الورقة الرابحة  بهذا المونديال- بتركيبة دفاعية وبخطة تكتيكية ذكية متقنة، قرأ وليد المباريات بعين خبيرة حاذقة يقظة، وتمثل الفوز بنفْس قلقة وبنفَس حذر متوتر، جعله يؤرخ لزمن الملحمة الكروية، حيث الشغف الكبير بالمستديرة؛ فكان الجسر الرابط بين عناصر تشكيلة المنتخب المغربي. أسود الأطلس، خلقوا التاريخ، صنعوا التاريخ كما صنعوا الملحمة التاريخية، رسموا ذاكرة الثقافة الرياضية ورسخوا لهذه الذاكرة بمونديال قطر 2022. هذا هو النجاح الباهر والإنجاز الماهر. هذا هو المغرب الجديد والعهد الجديد. هذا هو الشعب المغربي الأبي. هذه هي المملكة المغربية العلوية الشريفة التليدة. هذا هو الإحساس بالانتماء إلى الوطن الأم المغرب. إنه الشعور بـــ “تامغربيت”، جعل الراية المغربية، ترفرف بكل شارع وزقاق، بكل مدينة وقرية مغربية، بل ببلدان المهجر، حيث مغاربة العالم المقيمون هناك كانوا مشجعين فرحين، وبكل الأقطار العربية الشقيقة. إنها الهُوية المغربية والقومية العربية، دفعت أسود الأطلس إلى الاستمرار في القتالية وتحقيق الانتصار من خلال العبور إلى النصف النهائي لمونديال قطر 2022. لم تكن الفرحة بتأهل أسود الأطلس فرحة مغربية فقط، بل كانت فرحة مسلمة عربية إفريقية. جسدت السجدة الجماعية لأسود الأطلس بساحة ملعب المدينة التعليمية بدولة قطر صورة، خلقت الدفء بقلوب المغاربة- جميعهم- وألفت بينهم؛ فنسوا غلاء الأسعار والمعيشة، وعبروا أجمعين وبالشوارع هاتفين؛ فتحولت الشوارع في قلب المدن المغربية- جميعها- إلى محجات للساكنة المحلية ومسارح بهيجة لاحتفالات جماهرية شعبية غنَّاء.

 

قطار التاريخ بالمغرب، يسجل من جديد،،،

هي صناعة رياضية مغربية؛ فالرياضة موهبة لمن يمتلكها وفنٌّ لمن يتقنه. فوزٌ كان وليدَ وليد. هذا الفوز لم يتأتَّ للمنتخب المغربي لولا رضى الوالدين الذي ناله أسود الأطلس حين انحنى وليد الركراكي على رأس والدته الكريمة، ذلك النبع الصافي الفائض بالحنان، الحاضرة بالصرح الرياضي التاريخي ملعب المدينة التعليمية بدولة قطر الشقيقة وسائر أمهات عناصر المنتخب المغربي، وحين عانق يوسف النصيري أباه. ذاك الرجل الذي غرس في ابنه موهبة الرياضة بقيمها الأخلاقية العالية وبكل جهد ومثابرة؛ فالتفت الأعناق بالأعناق وذُرفتِ الدموع، وحين راقص سفيان بوفال والدته- مشجعته- بساحة الملعب. إنها صورة الحضن الدافئ برمز أمومي أبوي، حيث تتوشج علاقة الترابط الثنائي القوي ويتعزز الحنان الصادق الحقيقي.

سطع نجم ياسين بونو- أخطبوط إشبيلية- ولمع اسمه بمونديال قطر 2022. هو الدفاع القوي والحارس الأسطوري والجدار الصامد أمام المنتخبات الرياضية العالمية، صاحب الابتسامة العريضة الدائمة، وأحد أفضل حراس المرمى في تاريخ المنتخب المغربي إسوة بحراس المرمى المغاربة السابقين، وأبرز اللاعبين العرب والأفارقة في الدوريات الأوروبية الكبرى. منتظم الأداء حسن السيرة. بمسيرة لافتة، انتزع ياسين بونو- من خلالها- إعجاب المتابعين الرياضيين للكرة الأوروبية كلهم، وجعل الجميع، يشيدون بخصاله رغم أن مساره الكروي لم يكن مفروشا بالورود والرياحين، امتُحِن- مرارا- ليُظهر كفاءته وليعود    – في مشواره الرياضي- ملازما لبنْك البدلاء. حافظ على نظافة مرماه وصمدت شباكه دون أن تلقى أي هدف من قبل المنتخب البرتغالي. تألق فشرَّف بتصديه للضربات الموجهة إلى مرماه، وعبر بالمنتخب المغربي إلى دور النصف النهائي لمونديال قطر 2022؛ فكانت كلمات سير سير سير سير سير،،، تهيج كل عناصر المنتخب المغربي أسود الأطلس التي تزأر كالوحوش في البراري والأدغال.

كل إنسان عربي هو- الآن- مغربيُّ الهوى والهُوية. نحن لا نحلم؛ فهذه حقيقة تاريخية؛ شجُع المنتخب المغربي فتشجعْ وبطُل فاستبسلْ؛ فإلى من ينتظر سقوطنا، نؤكد لهم بكل ثقة ونقول لهم: “إن بقاءنا أطول من أعمارهم”؛ لأن دفاع المنتخب المغربي كان حاضرا بكل قوة، فاز في مباريات بطولية بأداء رجولي هداف، جعل المغرب- على إثرها- يتلقى برقيات التهاني والتبريك،،، ولتتفجر الإبداعات على مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ وجد المغاربة بهذه المواقع ملاعب مفتوحة للتعبير عن فرحهم الجماعي في أعقاب التأهل التاريخي للمنتخب المغربي، وليُنهيَ المنتخب المغربي مونديال قطر 2022 بحصوله على المركز الرابع بعد مباراة بطولية ضد المنتخب الفرنسي ضمن النصف النهائي لكأس العالم (2-0) ومع المنتخب الكرواتي ضمن مباراة الترتيب (2-1)، وليحجز- بذلك- مقعدا ضمن المنتخبات الأربعة الكبار في النصف النهائي لمونديال كأس العالم قطر 2022. وليظفر ببرونزية المونديال في تاريخ بطولات كأس العالم منذ بدايتها سنة 1930، ولتبصم عناصر المنتخب الوطني- خلال مشوارها بمونديال قطر 2022- على ميزة مشرف جدا، ولتقدم          – بذلك- صورة رائعة عن كرة القدم المغربية والإفريقية بعد أن أبانت عن مؤهلات رياضية وقدرات كروية ومعنويات عالية وتفوقت على منتخبات أوروبية كبيرة، تعج بأسماء نجوم رياضيين عالميين.

كان المساءُ من يوم الثلاثاء 2022/12/20 بمثابة عيد وطني حين عاد أسود الأطلس إلى وطنهم المغرب الذي فضلوه عن بلدان الإقامة من أجل مقارعة أبطال المنتخبات الرياضية العالمية الكبرى، حيث توافد ملايين المواطنين من مختلف ربوع المملكة المغربية، حاجين إلى مدينة الرباط الجميلة الرائعة- عاصمة الثقافة والأنوار- لاستقبال أسود الأطلس والتعبير لهم عن فرحهم وسرورهم بهذا الإنجاز الرياضي غير المسبوق لأسود الأطلس، حيث حظي لاعبو المنتخب الوطني باستقبال شعبي حماسي وحشد جماهيري غفير في مشهد تاريخي، يضاهيه حدث المسيرة الخضراء التاريخي سنة 1975 بعد حدث ذكرى الحصول على الاستقلال، وليحظوْا باستقبال ملكي سامٍ رفقة أمهاتهم احتفاءً بهم وتقديرًا لهم على هذا الصنيع الرياضي والإنجاز البطولي التاريخي الأمجد؛ فكان المشهد الجماهيري المغربي وكأنه يوم للاحتفال بسنة رياضية مغربية بتميُّز وامتياز، خلَق شحنة طافحة من المشاعر الفياضة، اختلطت فيها مشاعر الفرحة والغبطة بالرهبة والذهول.

لن ننس نهائيات كأس العالم مونديال قطر 2022؛ فالمجد ثم المجد للمنتخب المغربي عالي الإسم والهمة؛ فالواجب، يقتضي منا الثناء؛ فالثناء، ثم الثناء على الأداء الرياضي الرائد للمنتخب الوطني. والمجد لأسود الأطلس الذين صنعوا التاريخ وأرخوا للذاكرة المغربية وللثقافة المغربية وللرياضة المغربية وللكرة الوطنية؛ فالحمد والشكر لله على المنتخب المغربي الذي وحَّد القومية العربية الإسلامية والإفريقية وأبهر الجميع ولامس قلوب العالم جميعها.

فشكرا– من القلب- يا أسود الأطلس على المفخرة التاريخية التي قدمتموها لوطننا العزيز المغرب وعلى ما كان ينتظره منكم الشعب المغربي الكريم، وشكرا على الفرحة العارمة التي أدخلتموها إلى قلوب المغاربة كافة.

 

دة. خديجة حسيني

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.