بوجلود بين التراث والفوضى

بوجلود بين التراث والفوضى

بوجلود بين التراث والفوضى

الدشيرة: إبراهيم فاضل

لا يختلف اثنان حول أهمية الحفاظ على الموروث الثقافي الأمازيغي وصون العادات والتقاليد التي شكلت جزءاً من الهوية الجماعية لسكان سوس الكبير عبر أجيال طويلة، كما لا يمكن إنكار القيمة الرمزية لاحتفالات بوجلود أو بيلماون باعتبارها إحدى أبرز التظاهرات التراثية المرتبطة بعيد الأضحى في عدد من مناطق جهة سوس ماسة والمغرب عموماً.
غير أن ما تشهده هذه الاحتفالات في السنوات الأخيرة في بعض المناطق يفرض نقاشاً صريحاً ومسؤولاً حول الفارق الكبير بين التراث في صورته الأصلية وبين الممارسات التي أصبحت ترافقه على أرض الواقع. فإذا كان الهدف المعلن هو الحفاظ على هذا الموروث الثقافي وتثمينه ونقله إلى الأجيال القادمة، فإن ما يحدث في بعض الأحياء والشوارع يجعل كثيراً من المواطنين يتساءلون، هل ما زلنا أمام احتفال ثقافي شعبي يعكس أصالة التراث، أم أمام حالة من الفوضى تُفرض على الساكنة باسم الثقافة؟.
ففي كل موسم تتكرر المشاهد نفسها، اعتقالات بالعشرات، ضبط أسلحة بيضاء، شجارات ومواجهات بين مجموعات من الشباب، حالات سكر وفوضى، اعتداءات على المواطنين، وإغلاق غير معلن للشوارع والأحياء. كما يجد العديد من السكان أنفسهم محرومين من حقهم في التنقل بحرية وأمان، بل إن بعض المواطنين أصبحوا يتجنبون زيارة مدن وأحياء خصوصا باقليم انزكان ايت ملول بأكملها خلال فترة الاحتفالات خوفاً من المضايقات أو الاعتداءات التي قد يتعرضون لها.
ورغم المجهودات الكبيرة والاستثنائية التي تبذلها مختلف المصالح الأمنية والسلطات المحلية والقوات المساعدة وعناصر الوقاية المدنية لتأمين هذه التظاهرات وضمان سلامة المواطنين والزوار والحفاظ على النظام العام، فإن حجم التجمعات والفوضى التي ترافق بعض المظاهر يجعل هذه الأجهزة في مواجهة تحديات متزايدة سنة بعد أخرى. وهي جهود تستحق التنويه والتقدير، لكنها لا يمكن أن تعوض غياب تنظيم حقيقي ومسؤول من طرف الجهات المشرفة على هذه الاحتفالات.
والأخطر من ذلك أن ذاكرة المنطقة لا تزال تحتفظ بحوادث مؤلمة ارتبطت ببعض هذه التظاهرات، من بينها جرائم قتل واعتداءات خطيرة وسقوط ضحايا بسبب خلافات ومواجهات اندلعت في ظروف كان يفترض أن تكون مناسبة للفرجة والاحتفال. وهي وقائع تطرح علامات استفهام حقيقية حول جدوى استمرار بعض الممارسات التي تسيء إلى صورة هذا الموروث الثقافي وتفرغه من رسالته الأصلية.
أما على مستوى التنظيم، فإن إغلاق عدد من المحاور الحيوية بعدد كبير من المواطنين والسيارات و الدراجات …يخلق ارتباكاً كبيراً في حركة السير والجولان، ويعرقل أحياناً عمل المصالح الأمنية والجماعية، ناهيك عن الفوضى التي تتسبب فيها الأعداد الكبيرة من الدراجات النارية التي تجوب الشوارع والأزقة بشكل عشوائي إلى ساعات متأخرة من الليل، بعضها يحمل أكثر من العدد المسموح به من الركاب، في مشاهد تهدد سلامة الجميع وتزيد من حالة الانفلات التي ترافق بعض فقرات هذه الاحتفالات.
وفي الجانب المالي، تتزايد التساؤلات سنة بعد أخرى حول حجم الأموال العمومية التي تُرصد لهذه التظاهرات دون حسيب ولا رقيب، ولنفس الوجوه ، ” منها عائلات داخل مؤسسات”… من طرف الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية وبعض المستشهرين، فمن حق المواطن أن يتساءل عن الحصيلة الفعلية لهذه الميزانيات، وعن مدى انعكاسها على جودة التنظيم والمحتوى الثقافي والفني المقدم للجمهور.
فإذا كان الدعم العمومي يهدف إلى تثمين التراث والمحافظة عليه، فإن المتتبعين يلاحظون أن العديد من النسخ الأخيرة لم تقدم إضافات نوعية توازي حجم الإنفاق المخصص لها. بل إن البرامج غالباً ما تتكرر، والأسماء نفسها تتناوب على المنصات سنة بعد أخرى، في ظل غياب واضح للتجديد والإبداع وإشراك الطاقات الشابة والباحثين والمهتمين بالتراث. وكأن بعض الجهات حولت بوجلود من مناسبة شعبية ثقافية إلى مشروع موسمي دائم للاستفادة من الدعم العمومي السخي دون تقييم حقيقي للمردودية الثقافية والفنية لهذه التظاهرات.
كما يثير غياب الندوات الفكرية واللقاءات الأكاديمية والمعارض التوثيقية الخاصة بتاريخ بوجلود وأسسه الأنثروبولوجية والثقافية أكثر من علامة استفهام. فكيف يمكن الحديث عن تثمين الموروث الثقافي دون توفير فضاءات للنقاش العلمي والتوثيق والتعريف بتاريخ هذه العادة وأبعادها الحضارية؟ ولماذا يقتصر البرنامج في أغلب الأحيان على العروض والمواكب نفسها، في حين تغيب الأنشطة الفكرية والمعرفية القادرة على إبراز العمق التاريخي والثقافي لهذا الموروث العريق؟
إن التراث ليس مجرد مواكب تجوب الشوارع أو عروض موسمية تنتهي بانتهاء المناسبة، بل هو منظومة ثقافية متكاملة تحتاج إلى التأطير والتوثيق والتربية على قيمها الحقيقية. أما حين يتحول الاحتفال إلى مصدر للخوف والإزعاج وإغلاق الطرقات وتعطيل مصالح المواطنين وتهديد سلامتهم، فإنه يفقد جزءاً كبيراً من معناه ورسائله الثقافية والاجتماعية.
إن الدفاع عن التراث لا يعني الصمت عن الاختلالات، كما أن انتقاد التجاوزات لا يعني المطالبة بإلغاء هذه العادة أو محوها من الذاكرة الجماعية. على العكس من ذلك، فإن حماية هذا الموروث تقتضي تنقيته من الممارسات الدخيلة التي تسيء إليه وتشوه صورته أمام الزوار والسياح والأجيال الجديدة.
المطلوب اليوم ليس إلغاء بوجلود، بل إنقاذه ممن يسيئون إليه. المطلوب هو رؤية جديدة تجعل منه مناسبة ثقافية حقيقية تجمع بين الفرجة والإبداع والمعرفة والتنظيم المحكم واحترام النظام العام وحقوق الساكنة. فالمهرجان الذي يضطر المواطن إلى الهروب منه ليس نجاحاً، والتراث الذي يتحول إلى عبء على المدينة يحتاج إلى مراجعة شجاعة قبل أن يفقد روحه الأصلية.
ويبقى السؤال مطروحاً، ما القيمة المضافة الحقيقية التي تقدمها هذه الاحتفالات للمدينة والجهة مقارنة بحجم الأموال العمومية التي تُصرف عليها؟ وما الذي يمنع من تطوير برامجها لتشمل معارض وندوات وأبحاثاً وأنشطة ثقافية تليق بتاريخ هذا الموروث العريق؟ والأهم من ذلك، إلى متى ستبقى راحة المواطنين وسلامتهم ثمناً يُدفع كل سنة باسم الاحتفال؟

شارك هذا المقال
تعليق واحد
  • جميع المغاربة يعيشون عيدا هنيئا طبيعيا إلا نحن في سوس ، ندعو الله أن يمر الاسبوع بسلام ، لاتستطيع حتى الخروج ، وتستمر الفوضى والسكر والتحرش وقلة الأخلاق والكسر والفساد حتى ساعات متأخرة،
    أعتقد أن الدولة قاااااادرة على إيقاف هذا التسيب والانحلال ،

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله