من جديد، يثبت المغرب أن ثقافته ليست مجرد موروث شعبي عابر، بل حضارة متجذرة تمتد لقرون، استطاعت أن تحافظ على أصالتها رغم التحولات التاريخية والسياسية. فالمملكة المغربية تُعد اليوم واحدة من أغنى الدول العربية والإفريقية من حيث التنوع الثقافي والتراثي، بفضل ما تزخر به من تقاليد وفنون ومعمار وأزياء وموسيقى وموروث إنساني يعكس عمق الهوية المغربية وتعدد روافدها الأمازيغية والعربية والإفريقية والأندلسية والحسانية.
وخلال فعاليات “الأسبوع الإفريقي” المنظمة بمقر اليونسكو، عاد التراث المغربي ليتصدر المشهد الدولي من جديد، بعدما نجح ممثلو المجتمع المدني المغربي في تقديم صورة مشرقة عن غنى الثقافة المغربية وأصالتها، من خلال عروض تقليدية وفنية جسدت روح المغرب الحضارية ومكانته الثقافية داخل القارة الإفريقية.
غير أن هذه الأجواء الثقافية الراقية لم تخلُ من بعض السلوكيات المستفزة التي صدرت، بحسب بلاغ المندوبية الدائمة للمملكة المغربية لدى اليونسكو، عن أشخاص محسوبين على الوفد الجزائري، حيث تعرض ممثلو المغرب لسلسلة من الإهانات والاستفزازات خلال مشاركتهم في التظاهرة الثقافية.
ووفق البلاغ المغربي، فإن هذه التصرفات لا تنسجم مع روح الحوار والانفتاح التي تقوم عليها منظمة اليونسكو، كما أنها تعكس حالة من التوتر غير المبرر تجاه كل ما يرتبط بالمغرب وإشعاعه الثقافي المتزايد على المستوى الدولي.
ويبدو أن الاعترافات الدولية المتتالية بالتراث المغربي أصبحت تثير حساسية واضحة لدى بعض الأطراف، خاصة بعد تسجيل القفطان المغربي ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، وهو الاعتراف الذي اعتبره المغاربة تكريساً عالمياً لأحد أبرز رموز الهوية الوطنية المغربية.
فالمغرب لا يدافع فقط عن لباس أو فن أو تقليد شعبي، بل يدافع عن ذاكرة شعب وحضارة ممتدة عبر التاريخ. من موسيقى كناوة إلى فن الملحون، ومن الزليج المغربي إلى فن الطبخ التقليدي، ومن الصناعات اليدوية العريقة إلى طقوس الفروسية والتبوريدة، استطاع المغرب أن يحول تراثه إلى قوة ناعمة تحظى باحترام العالم.
كما أن المدن المغربية العتيقة، مثل فاس ومراكش ومكناس، أصبحت شاهدة على عبقرية الإنسان المغربي في الحفاظ على الموروث الحضاري والمعماري، وهو ما جعل المغرب يحظى بمكانة متميزة داخل الهيئات الثقافية الدولية.
وفي المقابل، أكد المغرب في بلاغه أن التراث لا يجب أن يكون مجالاً للصراعات السياسية أو للمزايدات الإيديولوجية، بل فضاءً للتقارب بين الشعوب وتعزيز قيم الاحترام المتبادل. كما شدد على أن محاولات التشويش أو التشكيك لن تنال من الحقائق التاريخية الموثقة ولا من المكانة الثقافية التي راكمها المغرب عبر الزمن.
ويبقى الأكيد أن الثقافة المغربية، بما تحمله من تنوع وأصالة وعمق حضاري، ستظل مصدر فخر للمغاربة، ورسالة حضارية تعكس صورة بلد استطاع أن يصون هويته ويجعل من تراثه جسراً نحو العالم، رغم كل الاستفزازات والمحاولات الرامية إلى التقليل من هذا الإشعاع الثقافي المتفرد.
بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله