بقلم :أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
مرة أخرى، يعتلي الرئيس الجزائري منصة دولية ليتحدث عن السلام، الحوار، واحترام سيادة الدول. كلمات كبيرة، نبرة هادئة، وتصفيق دبلوماسي معتاد. لكن المواطن المغاربي الذي يسمع الخطاب قد يُخطئ الظن للحظة ويعتقد أن المنطقة تعيش عصر مصالحة تاريخية… قبل أن يتذكر أن الحدود ما تزال مغلقة، وأن الخلافات تتكاثر أسرع من بيانات السلام.
أي سلامٍ هذا الذي لا يستطيع عبور بضعة كيلومترات بين شعبين جارين؟ وأي حوار يُبشَّر به العالم بينما الحوار الحقيقي داخل البيت المغاربي يبدو مؤجلًا إلى أجل سياسي غير معلوم؟ لقد مدّ العاهل المغربي أكثر من مرة دعوات علنية للحوار، لكن الرد ظل أقرب إلى تجاهل دبلوماسي صامت، وكأن السلام فكرة جميلة… شرط أن تبقى بعيدة عن التطبيق.
المفارقة أن الخطاب الرسمي يتحدث عن وحدة الشعوب الإفريقية، بينما يظل الاتحاد المغاربي المثال الأوضح على مشروع أُعلن حيًّا ثم تُرك ليتحول إلى أرشيف. شعوب المنطقة تتبادل التاريخ واللغة والعادات، لكن السياسة تصرّ على بناء جدران نفسية أعلى من أي حدود جغرافية.
وفي الساحل الإفريقي، حيث تختلط الأزمات الأمنية بالتحديات الاقتصادية، تتكرر الوعود نفسها: مقاربة شاملة، حلول إفريقية، تعاون إقليمي. عبارات محفوظة جيدًا في القواميس الدبلوماسية، لكنها على الأرض لا تمنع تمدد الفوضى ولا تُقنع شعوب المنطقة بأن الاستقرار أصبح قريبًا.
الأمر يزداد وضوحًا عند النظر إلى ما يحدث فعليًا على الساحة المغاربية:
الاستفزازات السياسية والدبلوماسية: الجزائر غالبًا ما تقوم بتصريحات تستهدف المغرب أو مساعيه الإفريقية والدولية، سواء على مستوى المنابر الدولية أو الإعلام الرسمي، وفي بعض المناسبات حاولت تشويه صورة المغرب على الصعيد الدولي، خصوصًا فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، ما يخلق توترات دبلوماسية غير ضرورية.
التستر على بعض المنظمات المسلحة: يُتهم النظام الجزائري بتقديم غطاء سياسي ودبلوماسي لجبهة البوليساريو، رغم ارتباطها بعمليات تهريب ودعم غير قانوني للميليشيات. هناك تقارير تفيد بوجود شبكة دعم مالي ولوجستي لهذه المجموعات، ما يجعل الجزائر شريكًا غير مباشر في استمرار النزاعات المسلحة في المنطقة. نفس الشيء ينطبق على مجموعات مرتبطة بالنصرة أو الجماعات الإرهابية في شمال إفريقيا، حيث تُتهم الجزائر بعدم التعاون الكافي مع مكافحة الإرهاب.
شيطنة الدول والتدخل في شؤونها: تتضمن بعض السياسات الجزائرية توجيه انتقادات مستمرة للدول المجاورة، خصوصًا المغرب، بهدف تشويه جهود التعاون الإقليمي أو مشاريع التنمية المشتركة، ما يخلق بيئة من الانقسام بين الدول المغاربية والإفريقية بدلًا من تعزيز التكامل والتعاون جنوب جنوب.
التأثير على الأمن والاستقرار الإقليمي: هذه الاستفزازات والتستر على جماعات مسلحة يساهم في استمرار النزاعات المسلحة وتهديد أمن الحدود، وهو ما يعرقل التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي في المنطقة. بالمقابل، يسعى المغرب دائمًا لتقوية التعاون الإقليمي والدولي لمكافحة الإرهاب وحماية الأمن والسلم.
السخرية الكبرى أن كلمة “السلام” أصبحت الأكثر استعمالًا في الخطاب السياسي، حتى كأنها تعويذة لغوية تُقال كلما اشتد التوتر. غير أن السلام الحقيقي لا يُقاس بعدد الخطب، بل بعدد الأزمات التي تنتهي فعلًا. السلام يعني فتح الحدود لا إغلاقها، بناء الثقة لا إدارة القطيعة، وتربية الأجيال على المستقبل لا على استمرار الخصومة.
اليوم لم يعد السؤال إن كانت خطابات السلام جميلة فهي بلا شك كذلك، بل إن كانت موجهة لصناعة واقع جديد أم فقط لتحسين صورة قديمة. فالشعوب لم تعد تبحث عن بلاغات مطمئنة، بل عن شجاعة سياسية تعترف بأن السلام يبدأ بخطوة بسيطة: الجلوس إلى طاولة الحوار بدل الاكتفاء بالحديث عنها.
إلى أن يحدث ذلك، سيبقى السلام حاضرًا بقوة في الكلمات… وغائبًا بهدوء في الواقع.
