بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في خرجة إعلامية أثارت موجة واسعة من السخرية على مواقع التواصل، خرج أحد الوزراء في النظام العسكري الجزائري بتصريح يمكن اعتباره ( إن لم نقل نكتة سياسية ثقيلة ) من أغرب ما قيل في المنطقة المغاربية في السنوات الأخيرة. الوزير أعلن بكل ثقة أن الجزائر فرضت التأشيرة على المغاربة وبعض الأفارقة، لأن (حسب تعبيره ) الناس أصبحوا يريدون “الحريك” إلى الجزائر!
نعم، هكذا ببساطة. الجزائر، التي يعاني شبابها منذ سنوات من ظاهرة “الحراكة” نحو الضفة الشمالية للمتوسط، أصبحت فجأة في الرواية الرسمية الوجهة الجديدة للمهاجرين غير النظاميين. يبدو أن الجغرافيا تغيرت فجأة، وأن قوارب الهجرة التي كانت تتجه نحو أوروبا قررت تغيير المسار لتقف في ميناء وهران أو عنابة.
لكن دعونا نتوقف قليلاً عند هذه الرواية العجيبة. فمن المعروف أن ظاهرة “الحريك” في المنطقة المغاربية مرتبطة أساساً بالهجرة نحو أوروبا، حيث يبحث الشباب عن فرص العمل والاستقرار. أما الحديث عن “الهجرة السرية إلى الجزائر”، فهو طرح يحتاج إلى قدر كبير من الخيال السياسي، وربما إلى قسم خاص في أدب الخيال العلمي.
المفارقة الكبرى أن آلاف الشباب الجزائريين أنفسهم يخاطرون بحياتهم سنوياً في عرض البحر للوصول إلى إسبانيا أو إيطاليا. بل إن مصطلح “الحراكة” أصبح جزءاً من الخطاب الاجتماعي داخل الجزائر نفسها. فكيف تحولت البلاد فجأة إلى حلم للمهاجرين؟
السؤال الذي يطرحه كثيرون ليس: لماذا فرضت الجزائر التأشيرة؟ بل: لماذا يتم تسويق هذا القرار بهذه الطريقة الغريبة؟ فالدول تفرض التأشيرات لأسباب سياسية أو أمنية أو دبلوماسية، وهذا أمر عادي في العلاقات الدولية. لكن تبرير القرار بكون الجزائر أصبحت “قبلة للهجرة” يضع التصريح في خانة الدعاية السياسية أكثر من كونه شرحاً واقعياً.
الأغرب أن هذا الخطاب يأتي في وقت تشير فيه تقارير اقتصادية واجتماعية متعددة إلى تحديات كبيرة داخل الجزائر نفسها، سواء في سوق العمل أو في التنمية الاقتصادية. وهي تحديات لا يمكن حلها عبر الخطابات الشعبوية أو عبر رسم صورة وردية لا تعكس الواقع.
في النهاية، قد يختلف الناس حول السياسات والقرارات بين الدول، لكن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن احترام ذكاء المواطن أهم من إطلاق تصريحات تثير الضحك أكثر مما تثير الإقناع. فالعالم اليوم مفتوح على المعلومة، والناس قادرون على التمييز بين الواقع والخطاب الدعائي.
وإذا كان بعض المسؤولين يعتقدون فعلاً أن الجزائر أصبحت “أوروبا الجديدة”، فربما الخطوة التالية ستكون الإعلان عن انضمام البحر الأبيض المتوسط إلى “منطقة شنغن الجزائرية”!
